ظاهرة بيع المحروقات المهربة بمدينة كلميم

13/10/2014 - 10:52
ظاهرة بيع المحروقات المهربة بمدينة كلميم

 

الحادية عشر ليلا، هدوء في مدينة كلميم لا يكسره سوى أصوات سيارات « اللندكروزر » القادمة من الجنوب والمحملة بالمحروقات المهربة. بعيدا عن أعين الشرطة ينهي طارق يوم عمله المضني بشراء ما تيسر من الذهب الأسود بغية بيعه في اليوم الموالي.

 

دراسة القانون من أجل خرق القانون.

« واخا كبدت الباك، ماكديت نفرط   فالتراباندو بيه لي هو إوكلني ويشربني »، ( بالرغم من حصولي على شهادة الباكلوريا فإني لم أستطع ترك العمل في تجارة  البنزين لأنه هو مصدر رزقي). هكذا بدأ طارق حديثه عن مهنته، الشاب العشريني ذو قسمات الوجه الحادة، بدا بالرغم من ضخامة جسمه و صغر سنه مرهقا من طول ساعات العمل.

طارق، طالب في  شعبة القانون بجامعة إبن زهر بأكادير، حصل على شهادة الباكلوريا في الآداب والعلوم الإنسانية، يقول أنه اختار مدينة أكاد ير بحكم قربها الجغرافي من كلميم، ولعدم إجبارية الحضور في كلياتها، كل هذا حسب طارق من أجل مواصلة العمل في بيع البنزين المهرب.

يروي الشاب الصحراوي، رواية مثيرة عن كيفية التحاقه بتجارة الذهب الأسود، ففي سنته النهائية  بالثانوية، نصحه أحد الأصدقاء بالعمل مع شاب آخر دفعته عطالته لفتح محل لبيع البنزين في الحي الذي يقطن فيه طارق، وهنا بدأت قصته مع البنزين المهرب.

الفقر واليتم دفعا طالب القانون، إلى العمل في هذا النوع من التجارة، فمع وفاة الأب يقول ذات المتحدث وارتفاع المصاريف اليومية لإخوته الذكور الخمسة، وقرب حصوله على شهادة الباكالويا آنذاك، أضحى طارق المعيل الرئيس للأسرة التي لا تتقاضى سوى راتب هزيل من تقاعد الأب الذي كان جنديا في جيش التحرير. عوز دفع الأم كذلك الى الخروج للعمل كخادمة بيوت بعد وفاة رب الأسرة سنة  1999بسبب إصابته بسرطان الكبد يضيف طارق.

تأرجح عمله كما يؤكد،  بين العمل في محل قار للبيع والذهاب مع بعض المهربين الى منطقة  رأس الخنفرة والعيون من أجل جلب بضاعة لطالما كانت وراء سجن العديد من الشباب في أقاليم الصحراوية. يضيف في نفس الوقت أن العمل على جلب البنزين من مصادره وتوزيعه لمحلات البيع يعتبر أكثر مشقة من البقاء في كلميم وبيعه مباشرة للزبناء.

يعلق طارق على ذلك بقوله  « واخا نشرو الطريق من عند البوليس، فبعض المرات تكون الحملة ويتبعونا، وخاصنا فديك الساعة نكبضوالطريق لابيست  » : بالرغم من أننا نقوم بإرشاء الشرطة فإنه في أوقات الحملة نضطر إلى قطع الطريق غير المعبدة.

يبدأ العمل هنا في إحدى محلات البنزين بشارع المهدي بن تومرت الواقع شرق المدينة في حدود السابعة صباحا، محل متواضع لا يزيد عن خمسة أمتار مربع، لا تجد صعوبة في ملاحظة مدى اتساخه وتواضعه بالرغم من الأموال الطائلة التي يجنيها أصحابه بشكل يومي.

يتناوب على العمل فيه يضيف طارق هو وشاب آخر فضل ان نسميه عمر في هذا الإستطلاع، الأول يبدأ من الصباح حتى حدود الساعة الثالثة بعد الزوال حيث يحل زميله الى حدود منتصف الليل.

يصل عدد اللترات التي يبيعها محل طارق في أزهى فترات السنة الى 600 لتر يوميا، وهنا يصل هامش الربح بحسب مصدرنا الى قمته حيث يزداد الزبناء وتزداد مع ذلك الكمية التي يشتريها من موزع البنزين بالجملة.

 

تجارة من نوع خاص…

حسب عبد الرقيب  (تاجر في المدينة)، فإن ظاهرة التهريب، خاصة  تهريب البنزين ظهرت خلال العشرين سنة الأخيرة، أي بعدما تم إقرار دعم  المواد الأساسية للأقاليم الصحراوية. هذا الدعم لم تستفد منه كلميم يضيف ذات المصدر نظرا لأنها من أراضي  58 ( أراضي تم تحريرها من الاستعمار الفرنسي سنة 1958) بالرغم من قربها الجغرافي من المدن المستفيدة والعلاقات القبلية التي تربط بينها وبين هذه المدن  كطرفاية والسمارة والمحبس وغيرها من المدن الصحراوية التي يباع فيها البنزين بأثمان منخفضة.

هكذا أصبحت كلميم المنفذ الأول لفائض البنزين الموجود في الصحراء، فرصة لم يفوتها أباطرة التهريب يقول عبد الرقيب، وذلك بشرائه من منطقة رأس الخنفرة (أقرب نقطة يباع فيها البنزين) والعيون، وبعد يتم نقله بسيارات رباعية الدفع قد تصل حمولتها الى ستمائة لتر من البنزين.

يؤكد مصدرنا على أن هذه المحلات منتشرة بكثرة في الأحياء الشعبية التي ترتفع فيها معدلات البطالة بين الشباب الخريجين من الجامعات. ويفسر ذلك بعدم توفر عمل لهؤلاء الشباب خاصة وان معظمهم قد تخرجوا من كليات الآداب والعلوم القانونية والتي يصعب من خلالها الولوج لسوق الشغل بمعزل عن الوظيفة العمومية.

السكر والدقيق وجل المواد الأساسية القادمة من الصحراء يضيف نفس المتحدث، هي سبب لاغتناء العديد من أباطرة التهريب في الصحراء، والذين ينحدر أغلبهم من هذه الأقاليم كما أنهم مع مرور السنوات في هذه المهنة ربطوا علاقات معقدة ومتشابكة مع السلطات المحلية وأفراد الشرطة والدرك الملكي. فقضية التهريب بالنسبة لـه، تستفيد منها أطراف عدة: أصحاب رؤوس الأموال، وبعض المسؤولين في المدينة من منتخبين وشرطة بالإضافة إلى العمال الذين هم بالأساس الشباب العاطل…

 

 « حرفة بوك لايغلبوك »

إبراهيم، شاب تجاوز عقده الثالث، يعمل كسائق سيارة رباعية الدفع خاصة بنقل البنزين المهرب، تمكنا من ربط الاتصال  به عبر طارق، الذي لم يتردد في الإجابة عن أسئلتنا حول الموضوع.

يقول إبراهيم أنه دخل هذه المهنة بالوراثة، وذلك بعد أن كان أبوه واحدا من أبرز أباطرة التهريب في الصحراء، لم يتردد هذا الشاب بعد بلوغه لسن العشرين في ترك أقسام الدراسة بالثانوية والالتحاق بأبيه صاحب سيارتين لنقل البنزين عبر مدن الصحراء.

ينتقل هذا الشاب بين كل من العيون، السمارة، طانطان، ثم أخيرا كلميم التي تعتبر أكثر المدن التي يروج فيها هذا النوع من التجارة يؤكد إبراهيم، مضيفا أنها بحكم كثافتها السكانية المرتفعة بالمقارنة مع المدن الجنوبية الأخرى تعتبر السوق الاستهلاكية الأولى للبنزين.

لا يمر شهر تقريبا إلا وتكون فيه حملة ضد تهريب البنزين والسجائر، أمر يدفع المهربين يقول إبراهيم إلى سلك طرق غير معبدة  وطي الكثبان الرملية في الصحراء كما تطويها النوق القلوص. مما يزيد من كلفة التنقل بين العيون وكلميم مرورا بطانطان.

حمولة « ألند كروزر » تبلغ  في المتوسط حوالي 600 لتر، يتم شحنها إما من رأس الخنفرة أو العيون تبعا للوضعية الأمنية والتنسيق مع أصحاب محطات بيع الذهب الأسود، وهذا ما يجعل تكلفة الرحلة ـ التي يقوم بها في المجمل سائق وعامل آخرـ تختلف من مرة لأخرى يردف إبراهيم.

 

 

شارك المقال