من بين الصلاحيات الكبيرة والمهمة التي منحت لرئيس الحكومة في الدستور الجديد، صلاحية التعيين في المناصب العليا للدولة، واختيار الطاقم الإداري والتقنوقراطي الذي سيشتغل مع الفريق الحكومي الجديد، الذي صار مسؤولا عن السلطة التنفيذية في البلاد، عكس السابق حيث كانت السلطة التنفيذية في الدستور القديم في يد القصر… لكن رئيس الحكومة، إلى الآن، لم يفعِّل هذه المقتضيات الجديدة. لقد مرت إلى الآن ثلاث سنوات من عمر حكومة عبد الإله بنكيران، ومع ذلك لم تقترب هذه الحكومة من ملف حساس وهو تعيين ولو واحد من المديرين الكبار للمؤسسات العمومية، التي تسمى في الدستور مؤسسات استراتيجية (والي بنك المغرب، مدير لارام، مدير صندوق الإيداع والتدبير، مدير التلفزات الرسمية، مدير الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، مدير المحافظة العقارية، مدير العمران، ومديرو الأمن الداخلي والخارجي وعدد من كبار السفراء…) كل هؤلاء، وغيرهم كثر، عينوا قبل سنوات من مجيء حكومة بنكيران. الحكومات تذهب وهم باقون في مناصبهم، ومنهم من يستحق المنصب لمدة أربع سنوات أو خمس لا أكثر، ومنهم من لا يستحق الجلوس ربع ساعة في مكانه… بل حتى بعض المدراء ممن يعينون بمراسيم وليس ظهائر، مثل مدراء الخزينة والضرائب والجمارك في وزارة المالية، لم يقترب منهم بنكيران وكأنهم intouchables…
الأسماء التي يعين فيها رئيس الحكومة كل يوم خميس في المجلس الحكومي جلها يتعلق بمناصب صغيرة أو متوسطة (مديرون وكتاب عامون وعمداء جامعات)، أما المناصب الكبيرة فإنها خارج التداول، وبعيدة عن تفكير رئيس الحكومة الذي يتعايش مع الكثير من الرؤوس الكبيرة التي لا تساعده إطلاقا في مهامه، ولا تتقاسم مع حكومته الرؤية نفسها والأولويات ومنهجية العمل، بل من هؤلاء المدراء الكبار من خرج إلى العلن ينتقد رئيس الحكومة ويقطر عليه الشمع في سابقة من نوعها في كل تاريخ المغرب.
تغيير المديرين الكبار في مؤسسات الدولة ليس الغرض منه وضع عمرو مكان زيد، وليس الغرض منه وضع المتحزبين مكان التقنوقراط، وليس الغرض منه وضع اليد على الإدارة. الغرض من تغيير المسؤولين الكبار في المؤسسات العمومية هو: أولا، البحث عن فريق متجانس يعزف لحنا واحدا مع الحكومة. ثانيا، بعث إشارات إلى الإدارة والمواطن بأن هناك مشروعا جديدا للتغيير والإصلاح (إن وجد)، وأن هذا المشروع له وجوه جديدة، وبروفايلات جديدة، ومسارات جديدة، ومنهجية عمل جديدة، وأخلاقيات جديدة. ثالثا، الغرض من ممارسة الصلاحيات الدستورية الجديدة للتعيين في مراكز القرار الاستراتيجي هو إصلاح الأعطاب القديمة في عدد من قرارات التعيين في المواقع الحساسة للدولة، حيث وضعت «جهات التحكم»، كما يسميها بنكيران وإخوانه، على مدار سنوات رجالها ونساءها في مواقع القرار الاستراتيجي، وهؤلاء لم ولن يغيروا قناعاتهم بمجرد تعيين حكومة جديدة. هؤلاء لهم أجندات خاصة بهم، ولهم امتيازات ومنافع وسلط لا ولن تتعايش مع شعار: «صوتك فرصتك للقضاء على الاستبداد والفساد».
في أمريكا كلما دخل رئيس وخرج رئيس يتغير 3500 مسؤول في الإدارة الفيدرالية لأنهم يعرفون أن لكل رئيس رجاله ونساءه، ولكل مرحلة ناسها، ولكل مشروع أدواته.
سألت أكثر من شخص أظن أنهم يعرفون الجواب عن سؤال الأسباب الحقيقية وراء ابتعاد بنكيران عن ملف التعيين في المؤسسات الاستراتيجية، فكان الجواب كالتالي: «أولا، رئيس الحكومة له أولويات أخرى غير هذا الملف الآن. ثانيا، بنكيران يخاف أن يُتهم بأنه يضع رجاله في هذه المناصب الحساسة، أو يتهم بأنه ينتقم من التقنوقراط الذين اشتغلوا مع الحكومات السابقة أو مع أصحاب القرار، ولهذا يبتعد عن هذا الملف. ثالثا، بنكيران قادم من حزب سياسي ليس فيه أطر كبيرة حتى يقترحها لهذه المناصب، ولا يوجد في الحزب مناضلون يعرفون الأطر الكبيرة والتقنوقراط الذين يمكن الوثوق بهم. هذا حزب كان في سنة 2009 ممنوعا من رئاسة عمادة الرباط. رابعا، الأولوية الآن لكسب الثقة وتبديد الشكوك ووضع آليات للحكامة».
ذكرني العذر الأخير بما كان قيدومنا، الأستاذ العربي المساري -شفاه الله- يقوله في الأيام الأولى لدخوله إلى وزارة الاتصال في حكومة التناوب، من أنه جاء لتغيير العقليات لا الأشخاص، لكن بعد ستة أشهر اكتشف أن تغيير الأشخاص أهون من تغيير العقليات، فوضع استقالته أمام الوزير الأول، عبد الرحمان اليوسفي، وانتظر أكثر من سنة لقبولها والخروج من الحكومة!