في الحوار التالي يتحدث الصحافي والمناضل الإتحادي حميد برادة عن الوضعية التي كانت ستكون عليها الساحة السياسية المغربية لم عاش الراحل الحسن الثاني، خاصة العلاقة مع الاسلاميين
هل تعتقد أن مسار الإسلاميين في المغرب كان سيكون مماثلا لما وقع بعد رحيل الحسن الثاني لو بقي هذا الأخير على قيد الحياة؟
في علاقته بالإسلاميين استعمل الحسن الثاني المنطق نفسه الذي استعمله مع باقي الفرقاء السياسيين، فهو كان يعتبر الإسلام مهما جدا وأمرا لا يمكن تركه للإسلاميين. كان يعتبر نفسه كأمير للمؤمنين، المسؤول الأول عن الدين باعتباره جانبا حاسما في المؤسسة الملكية كما ثبت تاريخيا.
فهم الحسن الثاني جيدا أهمية الدين ولم يتنازل عنه بتاتا في نقاشاته مع الإسلاميين، وكان شرطه الأساسي هو ضرورة عثورهم على عُرّاب يضمنهم لديه، فبحثوا عن تحقيق هذا الشرط عند كل من حزب الاستقلال وعبد الله إبراهيم، ثم وقع الالتحاق بحزب الراحل عبدالكريم الخطيب الذي قبل لعب دور العُرّاب والضامن أمام الملك. في المقابل أعطى الإسلاميون بدورهم الضمانات الكافية على عدم وجود أي ارتباطات دولية لديهم وتمسّكهم بالملكية… أي أن كل ما يتم اليوم مع الإسلاميين هو نتيجة لما حضّره الحسن الثاني، حيث خلّف لنا إسلاميين مدجّنين domestiqués دون أن يجردهم ذلك من قدراتهم السياسية، وبنكيران على وجه الخصوص فهم جيدا العلاقة مع الملكية، وطموحه كان دائما هو أن يصبح حزبه حزب الملك، وبهذا انتصر على شباط وتركه ورفاقه في عطالة حاليا.
هل كانت عقلية الحسن الثاني ستسمح بالخيارات الاقتصادية نفسها مثل الرهان على السياحة وتطوير الثروة الملكية بشكل سريع؟
أعتقد أنه لم يكن ليراهن على السياحة، حيث كان الأمر يقتصر بالنسبة إليه على السياحة الراقية، ولهذا كانت الفنادق التي تبنى لا تمتلئ، بينما تفوق التونسيون بتركيزهم على السياحة الشعبية. لكن عموما ربما لم يكن وقت السياحة قد حان في عهد الحسن الثاني. أما مسألة الثروة فالملكية قبل الحسن الثاني كانت ضعيفة اقتصاديا من حيث الإمكانات المادية، ويكفي أن نعلم أن محمد الخامس كان يستعير أدوات الأكل والاستقبال من قصر التازي، والحسن الثاني قرّر تمكينها من الثروة، وشخصيا لا أعرف ما إن كان هناك تناقض في ذلك وما إن كان تكوين هذه الثروة صاحبه استغلال للنفوذ وتضارب للمصالح.
هل تعتقد أن النخب السياسية والحزبية الحالية كانت ستبرز لو بقي الحسن الثاني على قيد الحياة؟
كان الحسن الثاني يتفنّن في اختيار نخبته السياسية واختيار حتى خصومه، فحتى عبد الرحيم بوعبيد خسر في الانتخابات لأنه لم يترشح في الدائرة التي طلب منه الملك الترشح فيها، وكثير من الاتحاديين كانوا يخسرون في الانتخابات ثم يعاد إنجاحهم فيها كنوع من الاختيار من جانب السلطة، والمهمة الرئيسية التي كان يضطلع بها البصري كانت هي اختيار وانتقاء النخب والمعارضين، والهدف العام هو حماية الدولة ومناعتها. لكن، وبمنطق الحرص نفسه على الدولة، قام الحسن الثاني باستدعاء عبدالرحمان اليوسفي وفاوضه للالتحاق بالحكم، ولولا منطق الحرص على الدولة هذا لكان سلوك الحسن الثاني تجاه اليوسفي هو الانتقام بشدة بعدما كان يجري بينهما، لكنه عقد معه اتفاقا دستوريا وقبل بشرط اعتبار الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، وهي العقدة الأكبر في الصراع بين السيادتين الشعبية والملكية.
هل يمكن تصوّر دستور 2011 في ظل حكم الملك الحسن الثاني؟
الحسن الثاني كان يقبل بمبدأ الدستور، لكنه فعّله في ظروف معيّنة وبطريقته. دستور 2011 جيّد لأنه يضمن احترام جميع الأطراف ومتوازن، والحسن الثاني كقانوني يعرف أهمية التوازن بين السلطات، وبالتالي لا تناقض بين سلوكه وبين هذا الدستور، علما أننا اليوم، ورغم وجود هذه الوثيقة الدستورية إلا أنها لا تُفعّل بالكامل، خاصة الجزء المتعلق بصلاحيات وسلطات رئيس الحكومة.