مشروع القانون المالي الذي سيدخل غدا إلى البرلمان، مشروع مبني على مخزون من التفاؤل كبير.. «تفاءلوا بالخير تجدوه»، ولهذا يتوقع وزير المالية معدل نمو في سنة 2015 يقارب %4.4، وهذه النسبة لم تتحقق سوى في 2013، عندما كانت السنة الفلاحية استثنائية (90 مليون قنطار)، وليست متوسطة (70 مليون قنطار)، كما تتوقع الحكومة للسنة المقبلة.
نحن بلاد لا تتحكم في مشروع ميزانيتها، ولا تتحكم في نسب نموها وعجزها. إن خمسة عوامل مؤثرة هي صاحبة القول الفصل في الوضع الاقتصادي والمالي للمملكة؛ أولها، التساقطات المطرية، فإذا سقط المطر تصعد نسبة النمو إلى %4.4، وإذا انحبس المطر تنزل النسبة إلى %2 أو أقل. ثانيا، الذي يتحكم في العجز هو سعر براميل البترول في السوق المالي، وإن كانت الحكومة قد رفعت جزءا كبيرا من دعم المحروقات، وتركت المستهلك أمام تقلبات السوق الدولي، لكن هذا بالطبع سيؤثر على أسعار مواد كثيرة مرتبطة بثمن المحروقات. ثالثا، هناك عائدات السياحة التي لا نتحكم فيها هي الأخرى.. يكفي أن يذبح إرهابي من داعش في الجزائر فرنسيا أو بريطانيا أو ألمانيا لتصدر حكومات هذه البلدان تحذيرات لرعاياها تنصحهم بعدم السفر إلى كل العالم العربي، لتنزل عائدات السياحة في بلادنا. رابعا، هناك أسعار الفوسفاط في السوق الدولي، حيث يعتبر الفوسفاط من أولى صادرات المغرب، خاصة أن مؤسسة OCP تطورت، وأصبحت مداخيلها (ما بين الضريبة والأرباح)، تفوق 16 مليار درهم كل سنة. ثم هناك، خامسا، الأحوال الصحية لمنطقة الأورو، فإذا أصاب هذه المنطقة البرد نعطس نحن في المغرب…
إذن، الهامش أمام الحكومة والبرلمان صغير في وضع مشروع قانون مالي طموح، وهذا لأن الكعكة/الميزانية صغيرة وظهر حمارها قصير. مداخيل الدولة الضريبية ما بين 220 مليار درهم و240 مليار درهم، وهذه مداخيل مدينة متوسطة في أوربا وأمريكا، وذلك لأننا راكمنا الخيبات والقرارات الخاطئة وغياب مشروع تنمية حقيقي يُلحق البلاد بركب الدول المنتجة وليس المستهلكة… ولهذا، لا بد من إجراء إصلاحات عميقة على السياسة المالية للدولة، وذلك من خلال:
-1 تقليص كتلة أجور الموظفين التي تصل سنويا إلى أكثر من 140 مليار درهم (105 كلفة الأجور + 14 مليار درهم مساهمة الدولة في الصندوق المغربي للتقاعد + 3 مليار درهم للكنوبس والباقي تحويلات مالية إلى المؤسسات العمومية) وهذه الكتلة الضخمة تزيد 5 ملايير درهم كل سنة مقابل الترقيات ونتائج الحوار الاجتماعي مع النقابات. هذا معناه أن 35 مليون مغربي يشتغلون صباح مساء على 900 ألف موظف، البلاد إذن محتاجة إلى «رجيم قوي» للتحكم في كتلة الأجور الضخمة هذه وللرفع من مردوديتها.
قبل عشر سنوات كانت كتلة الأجور في حدود 56 مليار درهم، ومع ذلك قامت حكومة جطو بخطوة كبيرة، وأطلقت مشروع المغادرة الطوعية، وذلك لتخفيف وزن الموظفين في الإدارة. وبغض النظر عن الأضرار الجانبية لهذه الخطة، فإن الإدارة رجعت وراكمت أوزانا جديدة وبسرعة قياسية حتى تضاعفت كتلة الأجور في 9 سنوات.
الآن الجميع يشتغل ليل نهار ليؤدي رواتب الموظفين، والمحزن أن عددا كبيرا منهم لا يؤدي عمله على الوجه المطلوب، ويساهم تقاعسه أو فساده أو كسله أو عدم خبرته في تعطيل مصالح الناس والإضرار بالمقاولات التي تؤدي أجره من الضرائب التي تعطيها للدولة كل شهر.
– 2 كان الحزب الذي يقود الحكومة الآن يقول للمغاربة إن البلاد ستحقق نسبة نمو تزيد عن 1% أو أكثر من خلال إجراءات عملية وسريعة لمحاربة الفساد. الآن مرت على العدالة والتنمية 3 سنوات في الحكومة، وأعد أربعة قوانين مالية، ولم نر أثرا لمحاربة الفساد المعشش اليوم في التعمير وجرائمه والصفقات العمومية. وهنا نطرح سؤالا حول من يقيس الآثار الاقتصادية للاستثمار العمومي في المغرب، والذي رصدت له الدولة السنة المقبلة 189 مليار درهم؟ السؤال من يقيس مردودية هذا الاستثمار الضخم على أحوال الاقتصاد والبلاد والعباد؟ الجواب لا أحد إلى الآن، لا توجد معايير علمية لتقييم الاستثمارات العمومية في المملكة.
-3 القطاع غير المهيكل، الذي يمثل أكثر من ثلث النشاط الاقتصادي في البلاد، يطرح تحديات كبرى أمام الحكومات المتعاقبة، التي فشلت في إقناع هذا القطاع، حيث تروج المليارات من الدراهم خارج التضريب بالدخول إلى خيمة القطاع المهيكل. اتساع «اقتصاد النوار» يضر ليس فقط بميزانية الدولة، التي هي أداة مهمة للسياسة الاقتصادية، لكنه يضر كذلك بصناديق التقاعد والتغطية الصحية والتضامن الاجتماعي والتخطيط الاقتصادي، البلاد تمشي وهي شبه مغمضة العينين لأنها لا تعرف حجم الاقتصاد غير المهيكل.