قال صاحبي:
ـ «ما رأيك في أن أكتب سيرتي الذاتية»!
أجبته على الفور:
ـ «هل تمزح»؟
«أنا راكمت تجربة تفيد الأجيال، لِمَ أبخل عليهم بها» !
بدا لي الرجل جادا في ما يقول فأدرفت معقبا:
ـ «اسمع، طه حسين عندما كتب «الأيام» أبدع، وأحمد أمين عندما كتب «حياتي» أفاد، ومحمد شكري أبكى القراء في «الخبز الحافي»، وأنت ماذا تريد أن تعلم الناس، لا تنس أنك صلت وجلت في زمن معين، وتتلمذ على يديك أناس من شاكلتك، وأحرجت رؤساءك، وساعد في ذلك من كانت له الصولة والصولجان حَقَّا. أتريد أن تكتب هذا!»؟
غضب صاحبي وثار في وجهي:
ـ «يالك من حاقد! لم تر في ما أبليته سوى هذا الذي تدعيه، لم يشفع لك دفاعي عن أمن المجتمع وسلامته وماله العام، لم تشفق عليّ وأنا أتتبع خطوات الخارجين عن القانون، لم تصفق لي وأنا أضع الأصفاد في أيدي من يهتكون عرضه. تركت كُلَّ على هذا جانبا. وقلت ما قلت!»
ـ أنا أعتقد جادا أنك لن تفيد أحدا فيما تنوي كتابته، دعني أتمم ما أقول، ستضحك فيك خلق الله، فالرأي مجمع على أنك على خلاف ما تنوي قوله، اللهم إلا إذا كانت لك الشجاعة الأدبية وتنشر أخطاءك وتبرر ظروف ارتكابها، وتنصح الأجيال أن يسلكوا مسلكك، فتكون بذلك قد قدمت خدمة للمجتمع لن ينساها لك أبدا. تأكد أن عنصر البوح في السير الذاتية هو مربط الفرس فيها، أما أدوات التجميل فلا تصمد أمام أعين المطلعين على واقع الحال، لاسيما وأن معظمهم لازالوا أحياء يرزقون إلاّ إذا كنت ستنتظر وفاتهم، فذلك شأن آخر!
لم يقتنع صاحبي بما أقول فأضاف:
ـ «من كان يجرؤ في زمني الحافل أن يقول مثل هذا الذي تقول، كنت عندما أقطع الطريق إلى مرفقي تطلق الأحذية المطاطية صوتا واحدا تحية واحتراما وإجلالا، حيث تتوقف لغة الكلام رهبة وخشية، وكسرت حاجز البروتوكول في مرفقي، فلم يعد يختلف عن داري أو مزرعتي».
«اسمع يا هذا لو صدر عنك هذا الكلام في ذلك الوقت لكنت أوصيت بعزلك» !!
لمست درجة المعاناة التي يوجد عليها صاحبي فقلت:
«لا تعاند الزمن يا أخي، حيث تختفي الأضواء حول الذي يتكسّب من منصبه. أما الذين كتبوا سيرهم الذاتية ولم ينسهم الزمن، لم يأبهوا بأسلاك الوظيفة. هل تعلم بما أجاب عباس محمود العقاد الذي كتب سيرته الذاتية تَحْتَ عنوان «أنا»، مدير ديوان الرئيس جمال عبد الناصر عندما تأخر عن الموعد: «اسمع، أنا انتظره بمنزلي لماذا لم يأت ! وهل تعلم أن عبد الرزاق السنهوري رفض زيارة الرئيس لمّا عاده بمنزله على إثر اعتداء حصل له بمجلس الدولة» قائلا: «كان عليه أن يزورني بمجلس القضاء وقت الاعتداء».
هل نسي الزمن أحد من هؤلاء، ثم إنك فيما تنوي كتابته لن يخرج عن حديث الرحلات والأسفار وبعض المواقف التي سيعتبرها القارئ انصياعا ومولاة وخروجا عن الاسْتِقْلال الوظيفي، فيما تعتبره أنت شجاعة أدبية قل نظيرها. إذا أردت نصيحتي كفّ عما تنتوي القيام به، إذ ستضحك فيك الناس. لم يذعن صاحبي لنصيحتي وأضاف:
ـ «هل يمكنني أن استعير عنوان عميد الأدب العربي طه حسين، فأسمي سيرتي الذاتية «الأيام « أو «أيام» بدون تعريف كي لا يلتبس الأمر على القراء» !!
قلت ضاحكا:
ـ «والله فكرة حسنة، حتى اسم الكاتب يحمل الموسيقى نفسها: الأيام لطه حسين و»الأيام» لِقَمَرِ الدين» !!
Fmjc.maroc@gmail.com
رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين