تقرير فرنسي يكشف اختلالات نموذج «TGV» الفرنسي الذي استورده المغرب

29/10/2014 - 00:48
تقرير فرنسي يكشف اختلالات نموذج «TGV» الفرنسي الذي استورده المغرب

 وجه المجلس الأعلى للحسابات بفرنسا ضربة قويا لصناعة القطار فائق السرعة بفرنسا، مؤكدا أفول نجمها بعدما كانت رائدة عالميا.

المغرب معني مباشرة التقرير، بسبب TGV الذي يربط بين طنجة والرباط، والذي ينتظر أن يشرع في العمل في دجنبر 2015 بعد أن كلف 20 مليار درهم.

في الوقت الذي يواجه فيه مشروع القطار فائق السرعة، الذي شرع المغرب في إقامته بين مدينتي طنجة والدار البيضاء، صعوبات مرتبطة بتسوية وضعية الأراضي التي سيعبرها المشروع، وفيما تكشف معطيات متواترة إبرام المغرب صفقة إنجاز هذا القطار مع فرنسا تحت ضغط الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، تعويضا له عن إلغاء صفقة اقتناء المغرب مقاتلات «رافال» الفرنسية؛ أصدر المجلس الأعلى للحسابات بفرنسا تقريرا مفصّلا حول القطار فائق السرعة بفرنسا، خلاصته أفول نجم هذه الصناعة بفرنسا، بعدما كانت هذه الأخيرة رائدة عالميا في هذا المجال قبل عقود من الآن.

«النموذج الفرنسي للقطار فائق السرعة يوجد اليوم في وضع صعب. فبينما شكّل الـ«تي جي في» لمدة طويلة واحدة من أبرز مظاهر النجاحات التكنولوجية الفرنسية، تراجعت حصيلته بقوة في السنوات الأخيرة»، هذا المقتطف هو لإحدى فقرات التقرير الأخير لأعلى هيئة رقابية على المال العام في فرنسا، ويضيف التقرير أن هذا التراجع تجسّده معطيات كثيرة، من بينها تراجع استعمال هذه الوسيلة في التنقل وتراجع في مداخيلها، في مقابل ارتفاع كلفة إنجاز هذا النوع من البنية التحتية وكلفة استغلالها.

تراجع فسّره المجلس الأعلى للحسابات بفرنسا بعوامل متعددة، أبرزها الفتور الذي شهدته فرنسا في السنوات الأخيرة من حيث البحث والتطوير في هذا المجال، وتخلّفها بالتالي عن الركب العالمي أمام تجارب دولية أخرى في كل من آسيا وكندا ودول أوربية مثل ألمانيا. تراجع انعكس على جاذبية الصناعة الفرنسية في مجال القطارات السريعة، وجعلها تفشل في الحصول على صفقات لإنجاز مشاريع القطارات السريعة، باستثناء مشروع بكوريا الجنوبية وآخر هو الذي يُنجز بالمغرب حاليا. «فمن بين نتائج هذا التراجع، أن أصبحت الصناعة الفرنسية في حالة شرود (hors-jeux) داخل المنافسة الدولية، باستثناء كوريا الجنوبية والمغرب»، يقول التقرير. هذا الأخير أورد مثالا يوضح كيف أصبحت الدول الراغبة في إقامة الـ»تي جي في» تتجنّب الصناعة الفرنسية، بإسبانيا التي فرضت شروطا تقنية في مشروعها لإقامة قطار فائق السرعة بين مدريد وبرشلونة، عجزت معه الصناعة الفرنسية وخسرت الصفقة لفائدة نظيرتها الألمانية. الإسبان اشترطوا مثلا على من ينجز هذا المشروع، تمكينها من قطارات تصل إلى 350 كيلومترا في الساعة، بينما لا تتجاوز الصناعة الفرنسية عتبة الـ320 كيلومترا في الساعة بسبب نموذجها التكنولوجي الذي بات متجاوزا.

اختلالات أخرى وقف عليها التقرير المنشور من طرف المجلس، تطرح مزيدا من التساؤلات حول الجدوى من إقامته في المغرب. فالصناعة الفرنسية مازالت متخلّفة في مجال استعمال ما يعرف بـ «trains pendulaires »، وهو نوع من القطارات التي يمكنها أن تصبح فائقة السرعة باستعمال السكك الحديدية الخاصة بالقطارات العادية بعد إجراء تعديلات عليها، فيما يفرض النموذج الفرنسي إقامة بنية تحتية خاصة بالقطار فائق السرعة، وهو ما يعني كلفة شديدة الارتفاع. يُضاف إلى ذلك ما وقف عليه المجلس من عدم تحقّق توقّعات الصناعة الفرنسية من نسبة الإقبال على هذه القطارات، حيث ظلّت النتائج أقل من المتوقّع.

المبرّرات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية لمثل هذه القطارات فائقة السرعة، فنّدها بشكل شبه كامل التقرير الجديد، حيث نفى بشدّة أن تكون الفئة المستعملة لهذه القطارات كلّها من ذوي التنقلات المهنية، وهو ما يعني أن المردودية الاقتصادية لهذه القطارات كبيرة باعتبار أن ربح الوقت، يعني ربح المال في المجال الاقتصادي. التقرير قال إن ثلثي مستعملي القطارات فائقة السرعة يقومون بتنقلات شخصية، وثلثهم فقط، من يستعمله لأغراض مهنية، ما يعني أن المردودية الاقتصادية لهذا القطار محدودة. معطى يعني إقبالا أقل بكثير في المغرب، بالنظر إلى فارق القدرة الشرائية الذي لن يسمح باستعمال كبير لهذا القطار لأغراض شخصية. بل إن الشبكة الفرنسية نفسها، باتت تواجه منافسة قوية وتراجعا في الإقبال عليها، بفعل تنامي وسائل النقل الأخرى، خاصة منها عبر الحافلات والاستعمال المشترك للسيارات الشخصية في المسافات الطويلة. هذا النمط الأخير من التنقل قال التقرير إنه أصبح نشاطا اقتصاديا قائم الذات له وكالات ومواقع إلكترونية تُنظمه ويشكل بديلا اقتصاديا عن القطارات فائقة السرعة. مبرّر آخر يقدّمه أنصار الـ»تي جي في»، فنّده التقرير الجديد، ويتمثل في تحقيق العدالة المجالية من خلال ربط جميع أنحاء البلاد بخطوط فائقة السرعة. التقرير قال إن النتيجة التي يؤدي إليها هذا القطار عكسية، حيث لا تستفيد منه إلا المدن والتجمعات الكبرى، على حساب تلك الصغرى. وأعطى التقرير المثال بمدينة باريس، التي لا تمثل سوى 3.6 في المائة من مجموع سكان فرنسا، إلا أنهم يستأثرون بحصة 14 في المائة من عدد مستعملي هذا القطار. تفسير هذه النتيجة يتمثل في سهولة التنقل بين المدن الكبرى، وبالتالي تصبح الأنشطة مقتصرة عليها، متجاوزة المدن والتجمعات الصغيرة.

شارك المقال