إسلاميو المغرب العربي وانتخابات تونس

07/11/2014 - 00:09
إسلاميو المغرب العربي  وانتخابات تونس

 خالد شيات: أستاذ جامعي مختص في العلاقات الدولية.

 

في المغرب، هناك تراجع محتمل للتصويت لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المقبلة، نظرًا لكون الاستحقاقات الثورية التي كان يترقبها الشعب بعد الانتخابات لم تتحقق، لاسيما تلك المرتبطة بوعوده الخاصة بمحاربة الفساد الاقتصادي.

معيار الانتخابات

يمكن  أن تكون الانتخابات النزيهة والشفافة معيارًا لتحديد الموقع الحقيقي للقوى الإسلامية، خاصةً بعد حيازتها للمسؤولية أو السلطة، بينما الأساليب الانقلابية قد يكون لها أثر عكسي على المستويين المتوسط والبعيد. دور القوى الإقليمية والدولية حاسم في الاختيارات الداخلية لدول شمال إفريقيا، في علاقتها بالاتجاهات الإسلامية،  خاصة التشجيع الظاهر للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية -خصوصا فرنسا- للعملية السياسية في تونس والمغرب إذا كانت الحراك الثوري التونسي في عام 2011 قد فتح الطريق أمام المد الاحتجاجي في بعض الدول ضد الأنظمة السلطوية في المنطقة العربية؛ فإن نتائج الانتخابات التشريعية التونسية الأخيرة طرحت بدورها تساؤلات حول حدود التأثيرات «عبر الوطنية» لهذا التحول الديمقراطي الهادئ.

فلقد أفرزت نتائج الانتخابات التونسية شبه النهائية التي جرت في أكتوبر 2014 تقدمًا لحزب نداء تونس كقوة ليبرالية على حزب النهضة الإسلامية الذي حل ثانيًا،(النتائج النهائية أكدت ذلك) على أنه قد أعقب ذلك، تصريحات هادئة من الجانبين، فبينما رأى حزب نداء تونس أنه لا يمكنه الحكم منفردًا؛ بادرت النهضة بتهنئته على التقدم.

ولا شك أن هذا المشهد سيُلقي بظلاله على قواعد اللعبة السياسية المحلية، فضلا عن تأثيراته في المنطقة المغاربية، خاصة القوى الإسلامية على المستويين القصير والمتوسط.

إسلاميو المنطقة المغاربية والانشطار الكبير

الإسلاميون في المنطقة المغاربية، كما بعض نظيراتها المشرقية والعالمية، عرفت مستوى من الانشطار الهائل على مستوى القناعات السياسية، بعد الحراك الاحتجاجي ( الثورات العربية) وقبله، بفعل تأثيرات تجارب محلية، كما هو الحال في التجربة الجزائرية بداية تسعينيات القرن الماضي، أو التجربة التركية مع الديمقراطية، أو نظيراتها في بعض الدول الأخرى كالسودان وماليزيا، ولعل التأثير تمركز في «المراجعات» النظرية التي غيرت من منظومة القيم التي تتعامل مع نقاء الفكرة الإسلامية.

وبذلك انقسم هذا الانشطار إلى مستويين كبيرين؛ أولهما يغطي القناعات الدينية «الطهرانية»، والذي يعتبر الدولة القومية الحديثة كيانًا غير معبر عن المؤسسات في التصور الإسلامي، ويلحق به مقومات حسية ونفسية وسلوكية تعكس الانجذاب لنموذج «طاهر» وغير متجانس مع البنيات الموجودة على المستوى الواقعي، وهو تيار متعدد، لكن يضم بالأساس التيار السلفي بعموم توجهاته، والتيار التكفيري بصفة خاصة.

أما المستوى الآخر، فقد انخرط في التفاعل مع المؤسسات الدولاتية والعملية الانتخابية بشكل حذر أو مندفع أو وسطي، حسب الظروف المتاحة سياسيًّا في كل دولة مغاربية.

تباعد في المغرب

ففي النموذج المغربي، يزداد التباعد عند تحليل الخطاب السياسي للجماعتين الإسلاميتين الكبيرتين، أي حركة التوحيد والإصلاح وجناحها السياسي حزب العدالة والتنمية، وجماعة العدل والإحسان التي تحمل، بالإضافة إلى بنية الإيمان السياسي السلمي، رفضًا ممنهجًا للانخراط في العمليات السياسية، بناء على عدم نضج الأسس الديمقراطية للمشاركة السياسية.

أما الجزائر، فقد كانت استراتيجية الدولة قد أعطت نتائج متقدمة في علاقتها بهذا الاتجاه السياسي، فبعد أن انتهجت الأسلوب العنيف ضد وصول الإسلاميين للسلطة بداية تسعينيات القرن الماضي، استطاعت أن تحجم دورهم التأطيري بناءً على البعد السلمي والتنظيمي، واستأثرت بكل الأدوار التقليدية للدولة في عمليات انتخابية صورية، جعلت من مقاطعة الإسلاميين للرئاسيات عام 2014 حدثًا غير معبر، وبدون أثر محلي أو إقليمي أو دولي.

فالمرشح الوحيد الذي نافس في الانتخابات الرئاسية كان عبد الله جاب الله في عام 1999؛ حيث انسحب بسرعة بعد تأكده من عدم نزاهة العملية، وأعاد الكرّة سنة 2004، إذ حصل على نسبة ضئيلة هي 5 في المائة، وترشح أيضًا جهيد يونسي في عام 2009، لكنه لم يتجاوز عتبة 2 في المائة، وهو ما يعني أن الدولة تستمر في تشكيل البنية السياسية بالطريقة التقليدية القائمة على أجنحة ذات قدرة اقتصادية وسلطوية كبيرة، محجمة لأي دور قاعدي للجماهير المرتبطة بالاتجاهات الإسلامية.

بيد أنه يُمكن للانتخابات التونسية أن تمثل بداية إعادة التفكير في العملية من جديد، خاصةً أن الجزائر لم تعد في مستوى من التهديد المباشر مع الاتجاهات السياسية الإسلامية؛ بل تعرف صراعًا قويًّا مع تنامي أدوار وتأثير الإسلاميين الذين يتبنون الخيار الجهادي.

وفي موريتانيا، لعبت البنى القبلية والثقافية دورًا أساسيًّا في تشكل الحركة الإسلامية بارتباط وثيق مع متناقضين، هما الزاوية والسلفية، وقد عرفت تطورًا منذ أن قرر ولد هيدالة نهاية حكمه تطبيق الشريعة في عام 1983، ويُعد تجانس الإسلام والسلطة في موريتانيا مسألة بديهية، لكنه أخذ أبعادًا متجددة في خضم الصراع على السلطة والصراع الدولي لمكافحة الإرهاب. رغم أن القبائل خارج المدارين الحضريين لنواكشوط ونواذيبو لم تتبنَّ سوى الإسلام الصوفي؛ إلا أنها احتضنت القوى السلفية، وهو ما يعني دخولها في محور كفاح الإرهاب الممتد حتى مالي وجنوب الجزائر وليبيا، وبالتالي يخرجها من دائرة التأثير المحلي.

ورغم عدم انضواء الحركات الإسلامية في شكل أحزاب سياسية أو مجموعات متجانسة سياسيًّا؛ إلا أنها كانت مؤثرة بشكل متفاوت في الحياة السياسية الموريتانية، خاصة في مرحلة ولد سيدي أحمد الطايع، ومع الانقلابات المتتالية وعدم الاستقرار، وبعد الحراك السياسي الأخير.

إن العلاقة بين العملية السياسية والحركات الإسلامية، بما فيها تلك التي تمثلت في شكل أحزاب سياسية، ليست ظاهرة إلا في نموذجين كبيرين في شمال إفريقيا هما تونس والمغرب، وهما يعبران عن اختيارات محددة من طرف الأنظمة السياسية نفسها، أو من خلال التدافع السلمي العام. وباستثناء هذين النموذجين، لا تُعبر التجارب الأخرى عن ثقة في تفعيل الآليات الديمقراطية.

ليبيا أكبر معبر عن التنافر

وتبقى ليبيا أكبر معبر عن التنافر التام مع الخيار السياسي في تفاعله مع القوى الإسلامية السلفية والتقليدية القبلية في عمومها، أو الخيار السياسي الجزائري الذي يُضمر انقلابًا مستمرًّا على القوى الإسلامية الحقيقية، أو الفاعلة في المجتمع والسياسة، ويعطي -بطريقة ممنهجة- القدرة على التواجد للحركات التكفيرية، ليستمر في تفعيل سياسة الاجتثاث التي تبنتها أنظمة سياسية إقليمية أخرى بالمنطقة.  ويتفاوت التعامل بين البنيتين في مستويين متناقضين؛ مستوى الاتجاهات الإسلامية نفسها، ومستوى الأنظمة السياسية وأولوياتها السلطوية التي تتبناها. لذلك يمكن القول إن الديمقراطية في مقابل الشعار التاريخي للحركات الإسلامية القائم على تطبيق الشريعة وحفظ الشوكة للإسلام تترنح تحت تأثير هذين العاملين في المنطقة المغاربية.

محددات التفاعل بين الإسلاميين والسلطة 

من خلال التفاعل الأخير بين السلطة وإرهاصاتها في الدول المغاربية، لاسيما التجربتين التونسية والمغربية، يمكن القول إن المستقبل ليس محسومًا في قيام نموذج منسجم وتامٍّ أو محدد المعالم بين الإسلاميين والسلطة، لكنه يحمل بصمات واضحة، تتمثل في إمكانيات محددة تبعًا لتفاعل العديد من المؤثرات:

أولا: بنية السلطة العميقة التي تعتمد على ضمان مصالحها التقليدية، حيث يمكن القول إن الأمر مرتبط بواقع لا يرتفع كما هو الحال بتونس، حيث تمت إعادة تركيب التفاعل مع السلطة بأسس جديدة، في حياد تام للقوى الحائزة على القوة المادية، وهي الجيش والشرطة على وجه التحديد. أو باختيارات حقيقية للدولة وتفاعلها إيجابيًّا مع المطالب الشعبية بالتغيير كما هو الحال بالنسبة للمغرب، وإن كان بأشكال أولية وغير تامة النضج.وقد يؤدي ذلك إلى تحجيم الدور التقليدي للحركات الإسلامية فعليًّا؛ حيث لا يمكن أن تقرأ المرتبة الثانية لحزب النهضة بتونس قراءة متطرفة بتدخل مباشر لإفساد العملية السياسية من قوة عميقة اجتماعيًّا أو سلطويًّا، لأنها حقيقة لا تقبل التأويل. أما في المغرب، فهناك تراجع محتمل للتصويت لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المقبلة، نظرًا لكون الاستحقاقات الثورية التي كان يترقبها الشعب بعد الانتخابات لم تتحقق، لاسيما تلك المرتبطة بوعوده الخاصة بمحاربة الفساد الاقتصادي.

لذلك يمكن القول إن الانتخابات النزيهة والشفافة يُمكن أن تكون معيارًا لتحديد الموقع الحقيقي للقوى الإسلامية، خاصةً بعد حيازتها للمسؤولية أو السلطة، بينما الأساليب الانقلابية قد يكون لها أثر عكسي على المستويين المتوسط والبعيد.

ثانيا: دور القوى الإقليمية والدولية، حيث يُعتبر دور هذه القوى حاسمًا في الاختيارات الداخلية لدول شمال إفريقيا في علاقتها بالاتجاهات الإسلامية. فالتشجيع الظاهر للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية -لاسيما فرنسا- للعملية السياسية في تونس والمغرب كان دافعًا للاتجاه العام الذي سلكته هاتان الدولتان، في حين تتحرج فعليًّا هذه القوى من وصول الإسلاميين بشكل عام للسلطة، خصوصا بالجزائر التي لا تعرف استقرارًا سياسيًّا حقيقيًّا منذ عقود خلت، والتي يُمكن أن يكون تأثير الطاقة على أي خلل سلطوي كارثيًّا للمصالح الغربية.

لذلك، تعتبر هذه المواقف مفهومة من حيث أثر الاستقرار العام للدول، وانعكاسه على المصالح الغربية من جهة، وعلى إمكانية التحجيم بالتدريج للقوى الإسلامية، وتحولها نحو نهج سلوكيات تُشبه الأحزاب المحافظة الغربية.

ثالثًا: تطور البِنى النظرية للقوى الإسلامية، فقد ساعد التفاعل بين السلطة والحركات الإسلامية كأحزاب في شمال إفريقيا هذه الاتجاهات على بناء تصورات واقعية أكثر، وعلى تغيير الخطاب الطوباوي بآخر واقعي، بالرغم من بقاء بعض التبعات السلوكية الدينية في الخطاب والممارسة. وعمومًا، لم تستجب الحركات الإسلامية في مستوى السلطة لكل تطلعات الجماهير الاجتماعية للحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية على حسب الطبقات الاجتماعية، القاعدة الانتخابية الأكبر لهذه الاتجاهات الدينية. وهو ما كرس التباعد بين الطرفين، وظهور بدائل متطرفة تدعي إمكانية التغيير الشامل، واستعادة «القوة والازدهار الإسلامي المنشود».

رابعا: التفاعل مع العملية الديمقراطية، والانفصال عن المحددات ما دون الدولاتية؛ القبلية والمذهبية والطائفية والإثنية وغيرها، حيث يتمثل هذا العامل أساسًا في التحولات الاجتماعية الكبرى التي تعرفها البِنَى الثقافية والاجتماعية في المنطقة المغاربية عموما، إذ يظهر أن هناك تدينًا مجتمعيًّا، لكنه لا يتجه نحو الانغلاق والتطرف التام، بل نحو الانفتاح على الثقافة والحضارة الغربية، حيث تنتفي القطيعة التي تحقق الصراع الأبدي بينهما، وتبقى متمثلة فقط في بعض الاتجاهات التكفيرية المتطرفة، بعيدًا عن المستويات الشعبية إلا بتأثير من الأوضاع الاقتصادية لها.

هناك خصوصيات لكل دولة مغاربية في تعاطي الإسلاميين مع العملية الديمقراطية والسلطة في المنطقة، وهي تنبع من طبيعة كلٍّ من تعاطي الحركات الإسلامية، والأنظمة السياسية مع متغيرات البيئة المحلية والإقليمية والدولية، على أن معياري استيعاب الواقع وتطوير التصورات النظرية يشكلان أساسًا إما في تقديم تجارب هادئة، وإما صادمة في التحول الديمقراطي في المنطقة المغاربية.

 عن المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية

شارك المقال