مفاجئ وغير متوقع ذلك القرار الذي اتخذه أمس قاضي التحقيق في جرائم الأموال باستئنافية فاس، والقاضي بتأجيل الاستماع إلى الرئيس المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير، أنس العلمي، و25 متهما معه في الملف الثقيل المسمى «مشروع باديس» إلى غاية شهر فبراير من السنة المقبلة، أي تأجيل التحقيق في ملف حساس وساخن لمدة ثلاثة أشهر قبل الاستماع إلى المتهمين، وهو الأمر الذي استغربه الجميع، ولم يجد أحد تفسيرا مقنعا له سوى الرغبة في «تبريد الملف»، وإنزال حرارة المتابعة الإعلامية والسياسية له، وهذه مبررات لا تحكم عادة تقدير القضاة الذين لا يرون إلا ما يعرض في الملفات من حجج ودلائل، وما يكشفه التحقيق من وقائع، أما الأمور السياسية والإعلامية فلا تقع ضمن اهتمامهم، أو هكذا يفترض…
دفاع العلمي رحب بالتأجيل، وقال إن الغرض منه هو إعداد قاعة أكبر لاحتضان المتهمين ومحامييهم، وتوفير الظروف الملائمة للاستماع إلى المتابعين بتهم تبديد أموال عمومية، لكن هذا المبرر غير مقنع، إذ إن قاضي التحقيق يمكن أن يستمع إلى المتهمين في أكبر قاعة محكمة وفي أي وقت يراه مناسبا… ماذا عساها تكون المبررات الأخرى التي لا تسمح لقاضي التحقيق بالنظر السريع في أكبر ملف موضوع على طاولة القضاء هذه الأيام؟ كثرة أوراق الملف؟ كثرة المتابعين؟ وجود ملفات أخرى لدى قاضي التحقيق مفتوحة ويجب أن تغلق؟ ربما، لكن كل هذه المبررات لا أراها مقنعة أو على الأقل كافية لكي يؤجل قاضي التحقيق الاستماع إلى المتهمين ثلاثة أشهر أخرى، لماذا؟
أولا: هناك سمعة مؤسسة مالية كبيرة (CDG) معرضة كل يوم للإساءة، وكل يوم للحقائق والإشاعات، وهذا يضر بها كثيرا في السوق، خاصة أنها أكبر مؤسسة اقتصادية في البلد. لقد رأينا كيف خرج ذراعها العقاري CGI من البورصة بطريقة أضرت بصغار المساهمين، وإذا استمر الوضع على هذا المنوال فترة أطول فهذا معناه خسائر مالية أكبر، واهتزاز الثقة في CDG أكثر. قاضي التحقيق يجب أن يأخذ في الاعتبار أن مصالح كبرى للاقتصاد الوطني تتضرر بطول مدة عرض مدير إمبراطورية «السي دي جي» في قفص الاتهام، وطول مدة البحث القضائي في مؤسسة مالية كبيرة.
ثانيا: المتهمون الكبار والصغار في هذا الملف يتابعون في حالة سراح، وهذا حقهم، ويتابعون وهم في مكاتبهم وفي مواقع المسؤولية، بما توفره من إمكانات وسلط وعلاقات لتغيير معالم الملفات أو التأثير على مجريات التحقيق أو التأثير على الشهود (لا نتهم أحدا لكن ننبه إلى وجود مثل هذا الاحتمال، فالبشر يبقى بشرا في نهاية المطاف، خاصة عندما يوضع في موقف صعب مثل هذا، فهو يبحث بكل الطرق للخروج من المأزق سالما، ونحن في المغرب ولسنا في سويسرا ولا كندا ولا السويد)، ولهذا لا بد من الإسراع في البت في هذا الملف دون تسرع لكن، أيضا، دون بطء غير مبرر.
ثالثا: المتهمون غير معتقلين نعم، لكنهم ممنوعون من السفر وسمعتهم محل سؤال، وأغلبهم شخصيات عمومية، ولهم أسر ومعارف وأصدقاء، لهذا لا بد أن يأخذ القضاء بعين الاعتبار هذا الأمر، وأن يبت في الوقت المناسب في الموضوع حتى يتضح الخيط الأبيض من الأسود في هذا الملف، وأن يعرف الرأي العام حقيقة الاتهامات الثقيلة التي وُجهت إلى هؤلاء، وبعضها تصل عقوبته إلى 20 سنة سجنا، وحتى نطمئن الناس إلى أن العدالة فوق الجميع، وأن الناس أمام القانون كأسنان المشط…
الدولة، في شجاعة نادرة، اختارت أن تعرض مسؤولين كبارا في مؤسسة حساسة على المحاكمة، وفي الوقت نفسه اختارت أن تبقيهم في مواقعهم إلى غاية أن يقول القضاء كلمته فيهم، بمعنى أن الدولة، والقصر الملكي تحديدا، اختارا مقاربة قانونية وحقوقية لهذا الملف، وليس مقاربة سياسية كانت تقتضي إقالة العلمي منذ اليوم الأول، ومتابعته بعد ذلك في ظروف أخرى… لكن إذا كانت الدولة اختارت هذه المقاربة الشجاعة، فعلى القضاء أن يكون في مستوى هذه المسؤولية، وأن يعطي الدليل على أنه حامي العدالة وحارس القانون والمؤتمن على المصلحة العامة والمال العام، لا أن يُعمل مقاربات أخرى بعيدة عن روح القانون… والله أعلم.