مرارة واقع
جسد هذا المشهد –على براءة- أبطاله الصغار، عنصرية تمارس بشكل يومي على القادمين من الجنوب، تزايدت حدتها بعد تفشي وباء إيبولا في العديد من الدول الإفريقية، مما جعل حياة العديد من المهاجرين تتحول إلى جحيم حقيقي.
هذا الطرح لا تظهره حادثة إيبولا السالفة الذكر فقط، بل تتعداه إلى الفعل والقول اليومي للمغاربة..فترى الناس تتهافت بكلام من قبيل « العزي، « الغزوة » « اللوين » « العنطوز » وغيرها من الكلام الذي لا يخلو من الحمولة العنصرية أو المميزة في حق الغير.. وهو كلام وإن كان في الظاهر مرفوضا، أو يقال بأنه مرفوض، ارتهانا لنظرة الدين للمسألة، الرافضة للميز والتنابز بالألقاب، إلا أنه ولسوء طالع القادمين من دول جنوب الصحراء الإفريقية يبقى كلاما متداولا تتلقاه مسامع المارة من ذوي البشرة السمراء حتى وإن كانوا من أهل البلد.
مشردون على الهامش
على قارعة الطريق المحاذية لمحطة الحافلات بالرباط، يجلس العديد من الباحثين عن الفردوس الأوربي، ممن لم يتمكنوا من الوصول إليه، ما جعل الظروف تتكالب عليهم، ويبقى المغرب مستقرا لهم.
شباب في ريعان العمر، يعيشون في شوارع وأزقة الرباط، وفي أحسن الأحوال، يكترون منازل في أحياء شعبية، كالقامرة، ودوار الكورة ودوار الحاجة، وغيرها من الأحياء التي قبلت بأولئك المهاجرين.
نداء دون استجابة
قبل أشهر من الآن، وقبل تفشي وباء إيبولا في العديد من الدول الإفريقية، كانت مجموعة من المهاجرين في وضعية غير شرعية، يحتلون إحدى الساحات في حي القامرة بالرباط، لكن وبعدما أخلت السلطات المحلية للمدينة تلك الساحات، اختار العديد من هؤلاء المهاجرين الاستقرار قرب واحد من ملاعب حي يعقوب المنصور.
نداء وزير الصحة الحسين الوردي قبل شهر، لعدم التعامل مع المهاجرين بعنصرية والخوف من التعامل معهم احترازا من الإصابة، أكدته العديد من الشهادات التي استقاها « اليوم24″، من مجموعة من المهاجرين الأفارقة المنحدرين من دول أفريقا جنوب الصحراء، الذين أكدوا أنهم تضرروا من انتشار إشاعات حمل القادمين من البلدان الإفريقية لإيبولا، وتجنب طيف من الشعب المغربي التعامل معهم.
لا أفهم سوى إيبولا !
بلال، شاب مسلم، قدم من الكامرون، لا يكاد يتقن إلا بعضا من الكلمات القليلة بالدارجة المغربية، كان يقول « عاوني خويا »، أكمل في نونبر الجاري سنته الأولى في المغرب.
لا يتردد هذا الشاب، في الحديث عن معاناته في بلد « العبور »، التي انضافت إليها التضييقات التي تطاله من قبل بعض المغاربة، الذين يصفونه « بالحامل لإيبولا ».
معاناة بلال، تزيد من وطأتها فئات مهمشة من المجتمع المغربي، تعتبره وأمثاله من القادمين من الدول الإفريقية، عامل تضييق على المغاربة في عيشهم و »مزاحما » في الحرف البسيطة، التي يقبل بلال أن يمتهنها، كالاشتغال في البناء وحمل الأمتعة وتلميع الأحذية، ضمانا لقوت يومه.
أن تأتي لطلب العلم ليس كأن تأتي من اجل العبور
تعود إلى ذاكرة يايا ماكنيرا، الطالب الغاني في كلية الطب بالرباط، زيارة قام بها إلى بلده الأصل، بداية الصيف الماضي، حيث لم يجد كما يقول، ذاك الانعكاس القوي لانتشار فيروس إيبولا، على سكان بلده، بل كانت الحياة عادية على حد تعبيره ما يدحض مخاوف الجميع من بلدان الجنوب.
بحسب هذا الطالب الغاني، فإن حياته الاجتماعية في المغرب واختلاطه مع المغاربة لم تتغير كثيرا، سواء تعلق الأمر، في الكلية أو الحي الجامعي الدولي، أو حتى أثناء خروجه للسوق، معتبرا أن ما يمكن اعتباره « عنصرية » مقتصرة فقط على هؤلاء المهاجرين السريين الذين يطمحون للعبور للديار الأوربية.
حديث مشروع الطبيب الغاني، عن ظروف « عيشه الجيدة » في المغرب، لا يعني أن حياته في منتهى الوردية، بل إنه يعاني هو الآخر كما يقول، من عنصرية بعض المغاربة، الذين لا يتردون في لسعه بنظرات الاحتقار والدونية، وتوجيه كلمات وألفاظ لا يفهمها، لكنه يحس بها تخترقه وتحرق فيه مشاعر المودة والاحترام تجاه من وصفهم « ببعض الجهلة المغاربة ».
بلغة ممزوجة بالمرارة، والتردد، يقول يايا ، إن على المغاربة أن يدركوا أن المرض قد تم إعطاؤه أكثر من حجمه الحقيقي، وذلك عبر ما بثته وسائل الإعلام عن اجتياحه للدول الإفريقية، معترفا بأن مصدر هذا المرض لا يتعدى ثلاثة دول افريقية هي ليبيريا والسيراليون وغينيا الاستوائية. [related_posts]