تفتح مراكش ذراعيها لاستقبال الدورة الخامسة للقمة العالمية لريادة الأعمال التي يفتتحها نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الذي يزور المغرب لأول مرة مصحوبا بوفود شركات كبرى وجيش من رجال ونساء الأعمال الأمريكيين، الذين سيلتقون نظراءهم في العالم الإسلامي.
هذا المنتدى أطلقه باراك أوباما سنة 2009 في خطابه الشهير بجامعة القاهرة، حيث كانت الآمال مازالت معقودة على عهد سياسي جديد لأمريكا في العالم العربي والإسلامي بعد خيبات بوش ومغامراته العسكرية، لكن اليوم الآمال السياسية تراجعت، وبقيت الآمال الاقتصادية والمخاوف من الإرهاب والاضطرابات والأمراض المعدية…
اللقاء الأول لهذا المنتدى، الذي يشكل أحد آليات السياسة الخارجية لأمريكا تجاه العالم الإسلامي، عقد في واشنطن، والثاني في تركيا، والثالث في الإمارات، والرابع في ماليزيا، والآن جاء الدور على مراكش لاحتضان لقاء كبير في ظرف حساس، حيث رجعت أمريكا إلى الساحة العراقية لخوض حرب جديدة بعد سقوط ثلث العراق وسوريا في يد داعش، ورجعت واشنطن إلى سياسة المصالح أولا قبل المبادئ، لهذا أدارت ظهرها للثورة المصرية، وقبلت بانقلاب السيسي على أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر، واتجهت الإدارة الأمريكية إلى الإبقاء على النزاع العربي الإسرائيلي مجمدا عند نقطة معينة من التوتر دون السعي إلى حله أو إيجاد تسوية معقولة له…
إذن، نحن أمام إخفاق سياسي واستراتيجي كبير لواشنطن في العالم العربي والإسلامي، حيث مازال جيشها يخوض أسوأ حروبه في أفغانستان والعراق، وحيث المفاوضات مع إيران صعبة، وكلما تقدمت واشنطن مع ملالي طهران خطوة إلى الأمام لإيجاد حل للمشروع النووي الإيراني، ابتعدت خطوة عن حلفائها التقليديين في الرياض وتل أبيب، الذين يخشون ازدياد نفوذ الدولة الفارسية في المحيط العربي الهش والمضطرب. من هنا يأتي الرهان على الاقتصاد والتجارة والأسواق ورجال الأعمال وعموم القوة الناعمة لامتصاص إخفاقات السياسة الأمريكية في المنطقة، ولإيجاد ممرات دائمة وقوية لتعزيز المصالح الأمريكية في هذه المنطقة الملتهبة من العالم والحيوية في الوقت نفسه، فأول دين على هذه الأرض هو الإسلام، وأتباعه هم الأكثر انتشارا في الأركان الأربعة للعالم، وهم من ثمة جزء من مشاكل هذا العالم وجزء من حلوله في الوقت نفسه، وفي العالم الإسلامي أكبر احتياطي نفطي، ومن شأن تسييس هذه الثروة أن يخلق انقلابا في المشهد الدولي. وفي العالم الإسلامي توجد أكبر بؤرة توتر في العالم، فلسطين المحتلة، وفي العالم الإسلامي يوجد أكبر لوبي مؤثر في السياسة الأمريكية والأوروبية.. إسرائيل المزروعة كمسمار جحا في الخاصرة العربية، لهذه الاعتبارات وغيرها تحاول أمريكا أن تؤثر في هذا العالم الإسلامي بكل أطيافه من بوابة الاقتصاد والأسواق الحرة، محاولة تصدير النموذج الأمريكي، وجعل رجال ونساء الأعمال أكبر سفرائها في المنطقة، ومن القوة الناعمة أكبر أسلحتها…
لهذا بايدن اليوم في مراكش، ولهذا تراهن أمريكا على جعل المغرب، أحد حلفائها في المنطقة، بوابة لتسويق هذه السلعة في إفريقيا وفي العالم الإسلامي برمته في ظرفية شديدة التعقيد.
لهذا لا يجب أن يكون للمغرب أوهام كثيرة، فأمريكا لا تعطي هدايا لأحد وسياستها براغماتية تجاه الجميع، وإذا خفف الخطاب الرسمي عندنا من حديثه عن نوستالجيا العلاقات بين الرباط وواشنطن وكوننا أول من اعترف باستقلال أمريكا، فربما يساعد الناس على فهم الحقائق على الأرض.