قدم جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي في مراكش، تجربة نجاح بلاده في خطاب قصير لكنه غني.. مرتجل لكنه في الصميم. قال الرجل الثاني في الإدارة الأمريكية، وسط حماس كبير وتصفيقات حارة من المغاربة والأجانب: «إن نجاح النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة قائم على مبادئ الحرية التي تسمح بالاختلاف والإبداع والابتكار». وأضاف بايدن: «نموذجنا الأمريكي ناجح لأنه يحترم الحرية والملكية الخاصة، ويقوم على قضاء مستقل وتعليم متطور يربي الأولاد على الشك في كل شيء، وعلى السعي إلى التعلم الدائم، إضافة إلى ارتكاز نظامنا الإداري على آليات كثيرة لمحاربة الرشوة والفساد والاحتكار».
هذه هي الوصفة الأمريكية للنجاح، وعلى بساطتها الظاهرة فإنها تخفي عمليات تاريخية معقدة سياسية وقانونية ودستورية واقتصادية وثقافية جرت على مدى قرنين من الزمن، إلى أن وصل الأمريكيون إلى هذا النموذج الخاص الذي صار ناجحا اليوم، وخلق إمبراطورية كبيرة ورثت الفرنسيين والإنجليز، وقبلهم الهولنديون والألمان والبرتغاليون…
درس بايدن في مراكش يعرفه الحكام العرب والأفارقة والأسيويون لكنهم لا يستطيعون اتباعه، ولا يقدرون على إرساء مؤسساته في بلادهم، فإن كانت الحرية قيمة كبيرة فإنها مكلفة، وتتطلب من السلطة قبل المجتمع الرضا بأحكامها، والنزول إلى قواعدها، وأول تلك القواعد ترك كرسي الحكم كل أربع أو ثماني سنوات على الأكثر، والقبول بحكم الناس، وسيادة صناديق الاقتراع، وحرية الرأي والتعبير والصحافة والنقابة والحزب والجمعية والمواطن، وهذا ما لا يقدر عليه حكامنا، ولهذا فإنهم اختاروا أنظمة أخرى، وأنماطا من السلطة لا حرية فيها، أو على الأقل حرية ناقصة مراقبة وجزئية…
للأسف الشديد أخطاء الدبلوماسية الأمريكية، وانحيازها إلى إسرائيل، ومغامراتها العسكرية في العراق وأفغانستان منعت جيلا كاملا في العالم العربي، وفي المغرب خاصة، من قراءة التجربة الأمريكية في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والتعليم والإدارة… صورة أمريكا لدى قطاعات واسعة من الشباب متناقضة جداً، فمن جهة هناك ملايين من الشباب يحلمون بالهجرة إليها للبحث عن فرص أخرى غير موجودة في بلدانهم، ومن جهة أخرى يكره ملايين الشباب العرب واشنطن لأنها دمرت العراق وغزت أفغانستان، وتؤيد الكيان الصهيوني في جرائمه ضد الفلسطينيين دون أن تحسب حسابا لصورتها في العالم…
هذا التناقض في الرؤية منع مجتمعات العالم العربي من الاستفادة من عبقرية النموذج الأمريكي في إدارة الدولة والمجتمع، وفي النجاح الاقتصادي والسياسي والعلمي، خاصة عندما تحالفت واشنطن مع الديكتاتوريات العربية، وجعلت مصالحها فوق مبادئها، وسمحت للوبي الصهيوني في أمريكا بأن يختطف جزءا من القرار الدبلوماسي الأمريكي الخاص بالعالم العربي، وأن يوجه أمريكا ضد التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وضد الحركات التحررية والتيارات الديمقراطية التي تقاوم من أجل تحرير فلسطين ومن أجل تحرير بلادها من الفساد والاستبداد والطغيان…
لقد أيدت أمريكا ثورات الربيع العربي، وأبدت حماسا كبيرا لزعزعة عروش الاستبداد في القاهرة ودمشق وطرابلس وتونس وصنعاء، وغيرها من البلدان التي تحركت فيها رياح التغيير، لكن بمجرد أن بدأت صناديق الاقتراع في هذه البلدان تفرز قوى «إسلامية» لا ترضى عنها أمريكا ولا تقاسمها الرؤية نفسها للسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، حتى انقلبت عليها ورجعت تؤيد موجة الانقلابات والثورات المضادة بضغط من إسرائيل، وبتشجيع من البنتاغون الذي ينظر إلى المنطقة من منظور عسكري وأمني واستخباراتي لا تهمه كثيرا شعارات الخارجية الأمريكية وخطاباتها الدبلوماسية. لقد أظهرت التجربة التونسية أن الأصولية ليست قدر العالم العربي، وأن التونسيين بعد أن صوتوا للنهضة عقب الثورة، رجعوا وعاقبوها على الفشل في إدارة مرحلة دقيقة من عمر البلاد، واتجهوا إلى «نداء تونس»، والآن مهد الربيع العربي يتجه نحو تجربة تحول ديمقراطي مهمة بعد أن قبل الإسلاميون بالهزيمة، وانصاعوا لقانون اللعبة…