هل بدأ مشروع إصلاح العدالة المغربية يعطي ثماره الأولى؟ هل تخلص بعض قضاتنا من عقدة الخوف وإرث الماضي، وأصبحوا ينظرون إلى الملفات بعين القانون لا بعين السلطة؟ هل بدأت بصمات جيل جديد من القضاة تظهر على بعض الأحكام «الجريئة» في محاولة لتجاوز العقليات السابقة؟ هل التزام وزير العدل، مصطفى الرميد، الصارم بعدم التدخل في أحكام القضاء مهما كانت حساسية الملفات بدأ يزرع الثقة في نفوس بعض القضاة، ويدفعهم إلى تبني روح العدالة؟ كلها أسئلة من السابق الإجابة عنها لكنها أسئلة مشروعة تلح على المتابع وهو يقرأ حكم المحكمة الإدارية بالرباط، الذي ألغى قرار وزارة الداخلية منع نشاط للجمعية المغربية لحقوق الإنسان الشهر الماضي في المكتبة الوطنية، وغرم «أم الوزارات» مبلغ 100 ألف درهم جراء الشطط في استعمال السلطة وعدم التقيد ببنود الدستور، والمس بحرية الرأي والتعبير والتجمع والتأطير…
الحكم صدر يوم الجمعة الماضي عن المحكمة الإدارية بالرباط برئاسة القاضي ورئيس المحكمة الإدارية مصطفى سيمو، إلى جانب صالح المزوغي (مقرر)، وعبد الحق اخو زين (عضو).. هذا الحكم سيدخل إلى السجل الذهبي للأحكام المغربية، حيث انتصر القانون على «هوى السلطة»، والعدالة على «اعتبارات السياسة»، وضمير القانون على خوف الإنسان داخل القاضي…
الإدارة المغربية تخسر دعاوى كثيرة أمام القضاء الإداري، لأنها، من جهة، لا تتقيد بالقانون، وتصورها للسلطة التي بين أيديها يمنعها من رؤية الصواب والحق، ولهذا تتصرف، في غالب الأحيان، في بيت القانون كما يتصرف فيل كبير في دكان لبيع الفخار، ومن جهة أخرى، لا تعرف الإدارة المغربية كيف تدافع عن نفسها أمام القضاء، ودائما تعتبر قراراتها محصنة من الطعن والإلغاء فقط لأنها تمتلك قانون السلطة وليس سلطة القانون…
لكن حكم الجمعة الماضية من المحكمة الإدارية بالرباط له طابع خاص، وإنصاف القضاء الإداري للجمعية المغربية لحقوق الإنسان له طعم خاص، خاصة أنه تزامن مع «سياسة رسمية» للحكومة هدفها التضييق على تحركات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومحاولة تحجيم نفوذها الذي يتسع في الحقل الحقوقي يوما بعد آخر، واستقلاليتها التي تجعل منها واحدة من أهم الفاعلين في هذا المجال.
حكم المحكمة في هذه النازلة مهم جداً لأنه، أولا، يعيد الحق إلى أصحابه، وثانيا، لأنه يقول لوزارة الداخلية إن في البلاد قانونا وقضاء وقضاة وعدالة ومنطقا يمكن أن يوقف الشطط عند حده، ويمكن أن يرفع الورقة الصفراء في وجه السلطة، أكانت سلطة كبيرة أو صغيرة. وثالثاً، هذا الحكم هو بمثابة هدية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يستعد لتنظيم أكبر منتدى عالمي لحقوق الإنسان في مراكش هذا الأسبوع، ولهذا لا أرى بعد هذا الحكم من مبرر للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لمقاطعة المنتدى على اعتبار أن القضاء أنصف أصدقاء الهايج من سياسة الداخلية…
هذا الحكم يفرض على رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، أن يخصص له مكانا في جدول أعمال المجلس الحكومي المقبل، وأن يقول لكل وزرائه كبارا وصغارا، سياسيين وتقنوقراطيين: «رجاء احترموا دولة الحق والقانون.. رجاء لا تخربشوا وجه البلاد الحقوقي في الداخل والخارج. الدولة ورئيسها يخوضان معركة كبيرة للدفاع عن صدقية المملكة في المجتمع الحقوقي كجزء من معركة الدفاع عن مغربية الصحراء، فلا تشوشوا على هذه المعركة تحت أي مبرر كان. تحكموا في غرائزكم، واعتبروا أن السلطة التي في أيديكم مثل مشرط في يد طبيب يعالج به المريض ولا يستعمله لأغراض أخرى».
أعرف أن مواقف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من قضية الصحراء مزعجة، وأن فيها بصمات موقف سياسي لحزب راديكالي أكثر مما فيها من المواقف الحقوقية لجمعية مدنية، وأملي أن تراجع الجمعية مواقفها من صراع إقليمي تلعب فيه الجزائر دورا قذرا يهدد مصالح البلاد العليا، ومصالح المغاربة أجمعين حكاماً ومحكومين، وأن يستمر إشعاع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في حقل نشاطها الحقوقي الحيوي دون أن تضعف الموقف الدبلوماسي المغربي تجاه نزاع الصحراء، لأن في ضعف الدولة في هذا الملف بالذات تهديدا لكل المكتسبات الحقوقية التي شاركت الجمعية وأطراف أخرى كثيرة في إرسائها على مدار عقود من النضال في المغرب…