مراكش.. عاصمة عالمية لحقوق الإنسان

01/12/2014 - 23:02
مراكش.. عاصمة  عالمية لحقوق الإنسان

استضاف المغرب الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان، ما بين 27 و30 نونبر 2014، وبذلك يكون البلد الثاني بعد البرازيل )2013(، الذي يحضن تظاهرةَ ذات أهمية استراتيجية كبيرة، ليس على مستوى البلدان ) 94( والمنظمات الحقوقية (100(، والشخصيات العامة المشارِكة فحسب، بل أيضا على صعيد الإشكاليات، والورش، والمنتديات، والحوارات الجماعية التي تخللت أشغالها. ولأن مدينة مراكش تمتلك مقومات احتضان مناسبات عالمية من هذا الحجم، فقد  أصبحت، بكل المقاييس، عاصمة دولية لحقوق الإنسان.

  يُخطئ من يعتقد أن غرضَ المغرب من احتضان منتدى من هذا الحجم يروم  «تلميع صورته الدولية»، أو يبحث عن مصادر جديدة لتعزيز خطابه حول حقوق الإنسان، أو يسعى إلى تقوية أرصدة الدعم الدولية لقضاياه الوطنية.

فاستضافة النسخة الثانية من المنتدى العالمي لحقوق الإنسان في أرض المغرب، وفي عاصمة الموحدين تحديدا، هي قرار سيادي نابع من إرادة وطنية جماعية، بل تُعدّ الاستضافة، منطقيا، حلقة قوية في سيرورة طويلة وعاقِلة لتصالح المغاربة مع عدالة قضية حقوق الإنسان، ودليلا واضحا على إصرارهم من أجل توطين قِيمِها في الثقافة السياسية. ويستطيع المرء بمنتهى الموضوعية، الاعتراف للمغرب بالتراكمات النوعية التي حققها في ملف مهم واستراتيجي، وفي الآن معا شائك ومعقد، كما هو حال حقوق الإنسان، والانخراط الطوعي في المنظومة الدولية ذات العلاقة بهذا الملف. والحقيقة أن ميزة المغرب، والمغاربة عموما، كونهم كسروا جدار الخوف عن الحديث عن تطلعاتهم في أن يكونوا أحراراً في بلدهم، وأن يلمسوا ثمار الحرية في تفاصيل حياتهم، والأكثر أقدموا بإرادة على بناء قدر معقول من التوافق حول تصفية انتهاكات حقوق الإنسان التي ألمّت باليسير منهم، والنظر إلى المستقبل بتفاؤل ممزوج بالتفاؤل واليقظة. فهكذا، وعلى امتداد هذه السيرورة الطويلة والشاقة حظيت المسألة الحقوقية بمكانة الصدارة، يمكن ملامستها في نوعية الإصلاحات التشريعية والقانونية والمؤسساتية التي أقدم عليها المغرب بانتظام منذ أكثر من عقدين، والتي لا يتردد مُنصِف عاقِل في وسمِها بالقطائع، مقارنة مع ما كان سائدا من قبل.

  لذلك، يستحق المغاربة أن يتحول بلدُهم إلى قبلة لمناصري حقوق الإنسان في العالم، ويستحق أكثر أن يُساهم في مراكمة لبنات جديدة في مسيرة تطوير المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وتعزيزها بأفكار خلاّقة، وممارسات مُثلى، واجتهادات ذات قيمة مضافة. ودون شك، لن يكون المغرب مُضيفاً للمنتدى فحسب، بل ستكون حصيلة تجربته في مجال حقوق الإنسان، موضوع حوار، ومناقشة، ولمَ لا مناسبة لإبداء ملاحظات من أجل التطوير والارتقاء بها نحو الأفضل.

 والواقع أن المغرب، وهو يستضيف هذه التظاهرة الدولية الكبيرة، لم يعد في حاجة إلى الدفاع عن شرعية إنجازاته في مجال حقوق الإنسان، فذلك تحصيل حاصل. بيد أن المغرب في حاجة إلى الاندفاع بجرأة في تقوية إنجازاته، وتعميق قطائعه في هذا المجال، وتحصينها من أي نكوص، أو تراجع إلى الوراء. وسيكون مفيدا ودالا الإنصات إلى الأصوات المخالفة، الموسومة بالإنصاف والموضوعية، والطامِحة إلى رؤية ثقافة حقوق الإنسان، متوطِّنة، ومزدهِرة أكثر في ربوع المغرب. ثم إن المرحلة الجديدة التي دخلتها بلادُنا بعد دستور 2011، تفتح آفاقا واسعة للتطوير والارتقاء نحو الأفضل، وتلزمنا في الآن معا باحترام روح الأحكام الدستورية الجديدة، وهي كثيرة، ذات الصلة بحقوق الإنسان.

  إن حقوق الإنسان كلٌّ لا يقبل التجزيء أو الانتقاء والتقسيط، كما لا تطيق المساومة، إنها أولا وأخيرا قضية مبدئية، أي قيم، ومبادئ، واختيار لا رجعة فيه، وقد اعتبرها الدستور فعلا اختيارا، بل حسِبها أحد ثوابت المغاربة غير القابلة للتعديل أو المراجعة. وإذا كان الأمر بهذا الفهم، واحتراما لعُلوية الدستور، فإننا مطالبون بتحصين مكاسبنا في مجال حقوق الإنسان، وتعميق مفعولها في مؤسسات الدولة والمجتمع، كما أننا ملزمون بالإبقاء على الإصلاحات السياسية الديمقراطية حاضرة بانتظام، في توازِ مع الإصلاحات الاقتصادية والثقافية. فبالجملة، تنتظرنا خطوات جماعية كبيرة لاستثمار الجهود التي بُذلت في الانتقال من قانون الدولة إلى دولة القانون، التي تشكل منظومة الحقوق والحريات مفتاحها الأساس، ولعل هذا ما يطمح عموم المغاربة إلى إدراكه بسلاسة، وحِكمة، ودون خسائر..إنه طريق سالِك، وممكن، وقابل للإنجاز.

malkimhammed@gmail.com

شارك المقال