عرفت نهاية الأسبوع الماضي، اختتام المؤتمر الثالث عشر لمؤسسة الفكر العربي في مدينة الصخيرات، وذلك بعد ثلاثة أيام من الجلسات التي همت المجالات السياسية والاقتصادية والإجتماعية، دون أن تصدر عنه أية توصيات.
في هذا الحوار الذي خص به هنري العويط المدير العام للمؤسسة، موقع « اليوم24″، يتحدث العويط عن أهمية هذا المؤتمر الذي خصص لموضوع الوحدة العربية، وكذا الأجواء التي مر منها طوال الأسبوع، بالإضافة إلى التطرق لجوانب من التقرير السنوي للمؤسسة، والذي نشر عشية انعقاد المؤتمر.
كيف تقيمون الأجواء التي مرت فيها أشغال مؤتمر فكر 13؟
سنعقد اجتماعا تقييميا لمجلس المؤسسة، التي لا ينبغي أن تكتفي بوجهة نظرها هي حول الأجواء التي مرت فيها أشغال المؤتمر، لكن هناك شبه إجماع على حسن التنظيم وغنى المحاور، والمستوى الموضوعي والجدي الذي تميزت به الجلسات، ليس فقط على مستوى مداخلات المحاضرين في المنصة، لكنني فوجئت إيجابا بنضج الشباب الذين شاركوا في المؤتمر، من خلال الملاحظات والمداخلات والانتقادات، وكان هناك عمق في الآراء التي عبروا عنها، وكان هناك وعي بأهمية الموضوع، ليس فقط من الناحية النظرية والفكرية، لكن أيضا من الناحية الحيوية، كما كانت مسؤولية كبيرة في المعالجة. [related_post]
وأعتقد فإنه بصورة عامة، يمكن القول أن المؤتمر قد حقق الأهداف التي رسمها لنفسه، شريطة أن لا نضعه في لحظته الراهنة، ولكن في مداه الزمني الذي سوف يستمر لسنة كاملة، وطبعا سنترك لأهل الإعلام، والمشاركين في المؤتمر، مهمة التقييم. ودور المؤسسة هو توفير الإطار والبيئة لكي يتجمع العرب، ويتداولوا في أمورهم حيث كانت هناك لائحة طويلة من المتدخلين والمشاركين والحضور الكثيف سواء في ورش العمل، وكان هناك اهتمام بالرغم من أن المؤتمر دام لثلاثة أيام متتالية دون تراخ.
كيف وقع الاختيار على المغرب ليكون البلد المستضيف لهذا المؤتمر؟
كما تعلمون فإن مؤسسة الفكر العربي، ليست موجهة لدولة واحد، بالرغم من أن مقرها يتواجد في بيروت، وهي مؤسسة ليست لبنانية، ولا سعودية، ولا تنتمي لأي بلد، ويهمها أن تنوع البلدان التي تنعقد فيها المؤتمرات السنوية. وهذه ليست المرة الأولى التي يستضيف فيها المغرب هذا المؤتمر، بل هذه هي الثالثة، بواقع مرتين في الصخيرات، ومرة في مراكش.
ماذا عن الأسباب الأخرى؟
الأمر الثاني هو أن الدعم الرسمي الذي حضي به المؤتمر من قبل المسؤولين المغاربة، وهذا ما اتضح في الحضور الرسمي المتميز الذي شهدته أيام المؤتمر، سواء عشية افتتاح المؤتمر، حيث ألقى السيد وزير الثقافة كلمة راقية، وفي حفل الافتتاح حضر مستشار الملك الذي ألقى نيابة عنه الرسالة الموجهة للمؤتمرين، وفي حفل توزيع الجوائز حضر ثلاثة وزراء من الحكومة.
إذن هناك دعم رسمي، ودعونا نذهب أبعد من ذلك، فالمغرب بلد فكر وثقافة، وهناك تجربة في المغرب نعتبرها رائدة في المجال السياسي، وعلى مستوى الحقوق والمواطنة، فالربيع العربي مر قريبا جدا من المغرب، من جهة الجارة تونس ليست بعيدة وليبيا كذلك، حتى نتحدث عن هذا الجانب من العالم العربي، كما أن هذا البلد يتوفر على مكونات لغوية وإثنية متنوعة، بالإضافة إلى حراك سياسي ومعارضة قوية، واستطاع أن يجد صيغة لتجاوز الربيع العربي، وعناصر الاختلاف لصراعات عنيفة، وهذا ما جعلنا نعقد المؤتمر في بلد لم يكن مسرحا لظاهرة الربيع العربي، لكنه عرف كيف يستمع إلى نبض الشارع ومنح المزيد من الحريات.
بالحديث عن التجربة المغربية، في التقرير السنوي لمؤسسة الفكر العربي، لم نجد ذلك الحيز الكبير الذي خصص لبعض الدول العربية كمصر وتونس. لماذا؟
الباب الأول من التقرير، خصص للبلدان الخمسة التي كانت مسرحا للربيع العربي، أما الثاني فقد كان حول هذه المسألة لكن من جانب آخر وهو القراءة المعرفية حول الربيع العربي، وهنا كان حضور كبير للمفكرين المغاربة، وعندكم في المغرب تجربة دستورية رائدة، وقد كتب المفكر على أومليل بابا أساسيا في التقرير حول مرحلة ما بعد الربيع العربي. ونحن مؤسسة تأخذ العبرة بالحاضر، كما أنها تستشرف بالمستقبل، وهذا للتأكيد على أن المشاركة المغربية كانت قوية في التقرير.
لكن هذا جانب آخر، مشاركة المفكرين المغاربة لم تنعكس على تسليط الضوء على مواضيع تهم المغرب.
عندنا 22 بلدا يجب أن نتطرق إليها في التقرير، وموضوع الربيع العربي هو الذي حتم علينا التركيز على دول دون غيرها، لكننا لم نحضر هذا الموضوع على الدول الخمس أي تونس ومصر وليبيا بالإضافة إلى اليمن وسوريا، لكن هناك باب كامل حول علاقة دول الخليج العربي بالربيع العربي.
كيف ذلك؟
لا يخفى علي أحد الدور الذي لعبته هذه الدول في الربيع العربي، وكذلك البحرين التي شهدت في البدايات مجموعة من الاحتجاجات، كما أن قطر لعبت دورا كبيرا في تحريك بعض القوى في ما جرى في مصر، وما يجري في سوريا، هذا بالإضافة للدور السعودي في هذا المجال. وليس هناك أصعب من أن تضع بنية وهيكلة دراسة معينة، فبعد ذلك يكون من السهل اختيار المؤلفين، لكن هناك مقالة حول المسار الدستوري في المغرب، وتخصيص بحث كامل عن المغرب العربي، ولبنان بنفسها لم تتم دراستها في التقرير.
ومن الناحية الموضوعية، فالمغرب لم يبخس حقه لا من ناحية عدد الكتاب، أو الاهتمام، ولابد من الانتباه إلى أن هذا التقرير ليست له علاقة المؤتمر.
ما هي القيمة المضافة التي تسعون لتقديمها من خلال هذا المؤتمر؟
هناك ثلاث أنشطة متكاملة، وهذه هي المرة الأولى التي تصدر مجلة أفق شهريا في نسختها الإلكترونية والورقية، بالإضافة إلى خمس صحف عربية، وهذه هي المرة الأولى التي يرصد فيها تقرير لمؤسسة الفكر العربي أكثر من 400 كتاب حول موضوع الربيع العربي، ومن الآن إلى عشر سنوات، من يريد الكتابة عن الموضوع، مع الحاجة للتحديث، فسيجد ببليوغرافيا غنية في جل القضايا المرتبطة بالربيع العربي، كدور الشباب والمرأة والجيوش، ودور وسائل الاتصال الاجتماعي، وعن كل كتاب من هذه الكتب هناك نبذة عن المؤلف، ودار وتاريخ النشر وعدد الصفحات، بالإضافة لتقديم ملخص عن مضمون كل كتاب. وهذه تعتبر موسوعة عن الربيع العربي.
وأظن أن النشاطات الثلاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مرتبطة في ما بينها، تعتبر القيمة المضافة التي نسعى لتقديمها، ولم ننتهي وهذه هي نقطة الانطلاق، وسيتعين علينا على مدى سنة كاملة أن نجمع الخبراء، لكي يتداولوا في ما طرح في المؤتمر.
لماذا ركزتم في هذا المؤتمر على موضوع الوحدة العربية؟
الواقع العربي على مستوى مجموعة الدول العربية، وعلى صعيد هذا البلد أو ذاك، وهناك بعض البلدان في وضع خاص، كسوريا والعراق واليمن، فضلا عن التجربة السلبية التي مر بها السودان.
وهذه الأوضاع تتميز بالتشرذم والتفكك والانقسام وتنافس، بين مكونات الدولة الواحدة، ومكونات المجموعة العربية، وهذا الواقع لا يدعو للاطمئنان، ولا يبشر بأن المستقبل سيكون مزدهرا، بل إن حدة الانقسامات التي عرفناها سابقا وتفاقمت في الآونة الأخيرة، هي بمثابة جرس إنذار ينبه الشعوب، وما يحدث لا يبشر بالخير، بل إن هناك من يرى أن استمرار الأوضاع على هذا المنوال، يهدد ليس فقط استقرار هذا البلد العربي أو ذاك، ولكن قد تهدد أيضا الوجود العربي كوحدات ومجموعة على حد سواء.
وعلى صعيد أخر، تم إنشاء جامعة الدول العربية منذ 1945، وخلال العام القادم سوف تكمل 70 سنة، وقد أنشئت لتجمع كلمة العرب والتعاون والتنسيق، ولهذا السبب رأت مؤسسة الفكر العربي أن من واجبها أن تسلط الضوء على موضوع الوحدة لأن هذا من صلب رسالتها للفكر ليس فقط المجرد، ولكن أيضا الملتصق بصميم أوضاع واقع العالم العربي ومستقبله. ووظيفة المؤسسة هي إثارة الوعي.
لماذا التركيز على هذا الموضوع مع وجود قضايا أخرى لها راهنيتها كموضوع حقوق الإنسان مثلا؟
القضايا التي يمكن أن تكون عرضة للتشاور والتفكير، هي كثيرة جدا، والدليل على ذلك أن المؤتمرات المختلفة التي تعقد في مختلف البلدان، ومنها المنتدى العالمي لحقوق الإنسان الذي عقد في المغرب، وقد كنا على علم بهذا، ولم يكن من الممكن مناقشة مواضيع كثيرة في المؤتمر من أجل التركيز على قضايا محددة، لنفي هذا الموضوع أهميته، وهذا يا ينفي أبدا أن سائر الموضوعات التي تتناولها المؤتمرات التي تعقد أنها أقل أهمية أو إلحاح، لكن كان لابد من اختيار موضوع واحد، حتى لا يكون تشتت في الأفكار، ومحاولة معالجته بشكل محوري من جوانب مختلفة.
وبالفعل فقد كان هناك عدد كبير من الجلسات والورشات، السياسية والثقافية والاقتصادية، وكما قلت فإن الظروف الحالية هي التي أملت هذا الموضوع، كما أن هذا سيكون بمثابة مساهمة لجامعة الدول العربية.
لكن ما هي الأسباب وراء عدم صدور توصيات في نهاية المؤتمر؟
نعلم كيف تعد التوصيات في المؤتمرات عبر لجنة يتم تكلفيها بهذه المهمة، وهناك معنيون كثر في هذا المجال، من ملوك ورؤساء دول، ورجال سياسة والفكر والاقتصاد ..، والمؤسسة لا تملي ولا تفرض شيئا.
كان بإمكانها إن تقدم آراء استشارية؟
نعم، لكن كانت حركة النقاش وسيرورته، كانت بالغنى والكثافة الكبيرين، لا على مستوى المتدخلين أو الذين شاركوا في الجلسات الموازية والعامة، ولهذا فإن أي محاولة للخروج بتوصيات من هذا المؤتمر فإنها ستكون عملية متسرعة ومختزلة، لغنى النقاش. وكل ما قيل خلال المؤتمر، سيتم استخلاصه.
لكن التوصية الأساسية، التي خرجت هي أننا لن نكتف باستخلاص توصيات توضع على الرف، وقد أعلن على أن المؤتمر السنة القادمة، فكر14، سوف يكون استكمالا للموضوع نفسه، وستقوم المؤسسة ابتداء من مطلع العام القادم، ستخصص سنة كاملة لإعداد مجموعة من الدراسات التي سيقوم بها خبراء للخروج بتوصيات، لا تكون عناوين في نهاية المؤتمر، لكن لكل موضوع من المواضيع التي تم التطرق إليها، ستكون مادة لنقاشات وأوراق عمل مفصلة، مع اقتراحات مقرونة بآليات عمل ستقدم كهدية ومساهمة متواضعة لجامعة الدول العربية في ذكرى إنشائها السبعين، حتى لا يكون هذا المؤتمر مجرد لقاء، ولكن بالعكس فالعمل سيبدأ بعد ذلك. [related_posts]