الإدارة.. الآلة والعقيدة والغنيمة

06/12/2014 - 12:09
الإدارة.. الآلة والعقيدة والغنيمة

وقفنا أمس على نماذج من المقاومة التي تبديها الإدارة المغربية إزاء الحكومة والبرلمان والقضاء، وقلنا إن الحزب الحقيقي الذي يسود ويحكم في المغرب هو حزب التقنوقراط، الذي يتحكم في آلة التنفيذ، وإن هذا الوضع غير طبيعي وغير صحي وغير ديمقراطي. الإدارة الحديثة آلة صماء بلا سياسة.. جهاز موضوع رهن إشارة من يختارهم الشعب لينفذوا به برنامجهم، وعندما يصير للقنوقراطي رأي سياسي فأمامه خياران؛ إما أن يستقيل من منصبه، أو يبلع رأيه، ويجعل الإدارة في خدمة الحكومة والبرلمان وأحكام القضاء… أي تحت تصرف الشرعية. 

اليوم نحاول أن تحفر في سبب «تسيس» الإدارة عندنا وتغولها، وانتقالها من أن تكون أداة للتنفيذ إلى أن تصير مركزا من مراكز مقاومة التغيير والإصلاح. هنا لا نتحدث عن الأشخاص.. نتحدث عن الجهاز، وإلا فإن لكل قاعدة استثناء…

السبب الأول الذي يجعل الإدارة في المغرب، بكل فروعها، غريبة ومناوئة للمواطنين، ولها حساسية من المنتخبين ومن العملية الديمقراطية، هو أن الإدارة الحديثة ولدت زمن الاستعمار وتربت في حجره، وبطبيعة الحال لم تكن القوى الاستعمارية لتخلق إدارة حديثة في خدمة الأهالي، بالعكس هي وضعت عقيدة الإدارة وقوانينها وآلياتها ضد المغاربة ومصالحهم. قبل الاستعمار لم تكن هناك إدارة بالمعنى الحديث للإدارة.. كان هناك جهاز مخزن مركزي علاقته تقوى وتضعف مع الأطراف حسب الظروف والأحوال، وهذا الجهاز نفسه كان قائما على الطاعة والولاء، وبث الخوف في النفوس تماشيا مع طبيعة الدولة في القرون الوسطى… لما جاء الاستقلال ورث المغرب الإدارة من يد المستعمر، لكنه لم يغير عقيدتها، ولأن الديمقراطية لم تصاحب ميلاد دولة الاستقلال، فقد استمرت الإدارة، في المجمل، تلعب الدور القديم نفسه.. إخضاع المواطنين لا خدمتهم، واحتقار المنتخبين مقابل الولاء للمخزن الجديد. انظروا إلى الناس العاديين إلى اليوم كيف يشعرون بالعبء والتبرم، وحتى الخوف، من دخول إدارة أو مقاطعة أو كوميسارية أو محكمة أو قباضة أو عمالة… وأول شيء يبحثون عنه قبل التوجه إلى الإدارة هو شخص يعرفونه أو يعرفه أحد من أصدقائهم، لأن دخول الإدارة بلا معرفة ولا وساطة ولا رشوة محفوف بالمخاطر…

السبب الثاني الذي جعل الإدارة، بكل مرافقها، شبه جزيرة معزولة عن المجتمع هو أن التقنوقراط استفادوا من الصراع الذي كان بين الملك الراحل الحسن الثاني والحركة الوطنية وأحزابها، فعمدوا إلى ملء الفراغ الحاصل بفعل طرد الوطنيين من الحكم، وتعويض الكفاءة الغائبة لدى أطر أحزاب القصر التي ولدت وفي فمها ملاعق من ذهب. هنا فهم الموظفون السامون اللعبة، وسعوا إلى الاستفادة من الصراع السياسي بين القصر وأحزاب المعارضة، والاستفادة، ثانيا، من ضعف أطر الأحزاب الإدارية. هؤلاء وضعوا ثقافة وآليات تعتبر الكاتب العام في الوزارة أهم من الوزير، والعامل أهم من رئيس المجلس البلدي، والوالي أهم من رئيس الجهة، والشرطي أهم من البرلماني.. الأول يمثل الدولة والثاني لا يمثل إلا الشعب.. ومن يكون الشعب!؟

لقد انتصر الملك الراحل، مرارا، لبعض الكتاب العامين في صراعهم أو خلافهم مع الوزير الذي أجبر أحيانا على الاستقالة أو الخضوع للأمر الواقع. هذا الوضع جعل من التقنوقراط جسما سياسيا عوض أن يكونوا جسما إداريا، وجعل من الموظفين السامين ممثلين للقصر في الإدارة، لا يتلقون الأوامر إلا من الملك ومن محيطه، ومقابل هذا الولاء فقد استفاد رؤساء الجهاز الإداري من امتيازات وغنائم ووضع اعتباري كبير وغير مستحق، حتى إن بعضهم أصبح مليارديرا على ظهر الإدارة، وهذا وضع غير موجود في جل دول العالم. 

السبب الثالث الذي يجعل الإدارة لها أجندة خاصة بها هو اختراقها من قبل لوبيات المصالح، الذين وجدوا ثغرات كبيرة للدخول إلى بيت الإدارة، ودفع الموظفين السامين إلى وضع نصوص قانونية وقرارات إدارية تخدم مصالح الشركات الكبرى ضدا على القانون والمصلحة العامة، وكل هذا بآليات وأساليب شيطانية تسخر آلة الإدارة لخدمة الفاسدين من رجال ونساء الأعمال، وهكذا تربى الريع انطلاقا من العلاقات المشبوهة بين الإدارة وبعض المحظوظين حتى أصبحت لهذا الريع أظافر وأسنان وجرائد وإذاعات ولوبيات تدافع عنه، وتخيف وترهب كل واحد يقترب من إصلاح الوضع المختل. أصبح الإصلاح مكلفا جداً لهذه الإدارة وضربا لهيبتها ونفوذها ومصالحها، وهذا هو الأهم والأخطر…

شارك المقال