ككل سنة تتاح الفرصة لمريدين الشيخ حمزة، شيخ الطريقة الصوفية البودشيشية، لزيارته ببيت يجهز خصيصا لهذا الغرض بجوار مرقد جده الشيخ المختار. فمباشرة بعد تلقي المشرفين على تنظيم هذه الزيارة لأوامر من ابن الشيخ، جمال وحفيده منير، ببدء الزيارة يتسابق الجميع للظفر بنظرة إلى الشيخ.
مريدون يزورون الشيخ لأول مرة تبدوا عليهم علامات الارتباك وسط الحشد المتمرس، وآخرون يقفون مشدوهين أمام مشهد لهفة الراغبين في زيارة الشيخ وإلقاء نظرة عليه ولم لا التبرع في حضرته ببعض المال لمساعدة الزاوية على القيام بأداء مهامها.

حضرة بودشيشية!
انتهت الزيارات وأعلن حفيد الشيخ منير بودشيش، إسدال الستار على الملتقى الوطني التاسع للتصوف الذي تنظمه الزاوية، لكن ما لفت انتباه الجميع هو دخول الحفيد الذي يوصف بـ »العقل المدبر » داخل الزاوية في نوبة بكاء وهو يتلوا كلمة الاختتام، يتحدث عن ما غرسته هذه الزاوية فيه من تعاليم فيتقطع كلامه ثم يواصل موصيا بالسير على نفس النهج والدرب!
ينفض الجميع إلى خارج القاعة التي احتضنت الملتقى، منهم من اختار التجول في أرجاء ومرافق الزاوية ومنهم من انصرف لأداء الصلاة وآخرون اختاروا سد رمقهم بتناول وجبة خفيفة في محلات الأكلات الخفيفة المتنقلة والمنتشرة في محيط الزاوية.
لحظات بعد ذلك وفي تمام الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا يُحضر الشيخ إلى مسجد الزاوية ويوضع وراء ستار، يجهز الأحفاد والأبناء مقام الشيخ، قبل أن يزيحوا الستار ويستقبله المريدون بترديد عبارات بالكاد يُفهم معناها.
كلمات من هنا وهناك وأناشيد تصدح بها قاعة الصلاة، قبل أن ينخرط الجميع في « الحضرة » و »الجدبة » البودشيشية، الحضرة هنا لا لون لها ولا عرق ولا سن، الجميع ينخرط فيها بطريقته، منهم من يرفع يديه إلى السماء ويغمض عينيه ويردد « الله حي »، ومنهم من يرفع بنفسه في السماء ويصدم الأرض بقدميه بقوة مرددا « هو هو »، وآخرون يطلقون كلمات غير مفهومة لدى العامة، كلما ذكر اسم الشيخ أو استرق نظرة إلى وجهه المرصع بلحية ناصعة البياض.
عكس الموسم الماضي لم يتأخر مقام الشيخ كثيرا بين مريديه، فما هي إلا ساعة من الزمن حتى حمله الأحفاد والأبناء من جديد إلى المنزل، المتابعون للوضع يؤكدون بأن الشيخ أصبح لا يقوى على السهر الطويل نتيجة تقدمه في السن (93 سنة)، وأن السهر لأكثر من اللازم قد يأتي بنتائج عكسية.
انسحاب الشيخ الاضطراري لم يمنع المريدين من الاستمرار في الجدبة، كأنما كانوا بحاجة إليه فقط ليحفزهم على الانطلاق.

