ماير: المغرب وتونس نموذجان ناجحان لتعايش الدين والسياسة

22/01/2015 - 17:02
ماير: المغرب وتونس نموذجان ناجحان لتعايش الدين والسياسة

 حاوره: توفيق بوعشرين 

في حوار حصري مع « اليوم24»، يتحدث وزير الخارجية الألماني، شتاين ماير، عن وجود فرص غير مستغلة لتطوير العلاقات الاقتصادية بين المغرب وألمانيا، ويعبر عن اعتقاده بأن المغرب وتونس نموذجان لتعايش الدين والسياسة.

‭{‬ لا تخصص ألمانيا الاتحادية سوى أقل من 3٪ من استثماراتها في إفريقيا للمغرب، ما هي أسباب ضعف الاستثمارات الألمانية في المغرب؟ وما هو السبيل إلى تقويتها؟

< تجمع ألمانيا بالمغرب علاقة تعاون طيبة ووثيقة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية. بيد أننا مازلنا بعيدين كل البعد عن الاستفادة الكاملة من الإمكانيات المتاحة أمام التعاون بين شركات بلدينا. فهذا أحد أسباب قدومي إلى المغرب بمرافقة وفد كبير من رجال الأعمال. إنني على أتم ثقة من أن هذا سيفضي بدوره إلى الكثير من الزخم في سبيل المزيد من الاستثمارات الألمانية.

‭{‬  هناك إعجاب كبير في  المجتمع المغربي بالصناعة الألمانية، فالسيارات الألمانية مثلا هي المفضلة لدى فئات واسعة من الطبقة الوسطى والعليا في المغرب، ونموذج برلين في الحكامة والجهوية محط إعجاب كذلك عندنا، لكن يلاحظ أن ألمانيا الاتحادية ضعيفة الحضور الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي في المغرب، مقارنة مع فرنسا وإسبانيا، وحتى أمريكا، هل تفكر ألمانيا في حضور أكبر بشمال إفريقيا؟

< توطدت علاقة التعاون بين ألمانيا والمغرب في الأعوام الماضية بشكل قوي، على سبيل المثال في مجال الطاقات المتجددة. كما أن توثيق التكامل بين الاتحاد الأوروبي والمغرب يخلق فرصاً هائلة. إنني على يقين من أن الترابط السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي بين بلدينا لديه إمكانية ليصير أكثر قوة.

 ‭{‬  كيف تنظر الدبلوماسية الألمانية إلى التجربة الديمقراطية ما بعد الربيع العربي في المغرب، وعملية إشراك الإسلاميين المعتدلين في الحكومة حيث إن الدولة في المغرب هي الوحيدة في دول الربيع العربي، التي مازال حكم الإسلاميين مستمرا فيها بعد الانقلاب العسكري في مصر والاضطرابات في ليبيا واليمن. ما هو تقييمكم لهذا الأمر؟

< إذا نظرنا إلى الديمقراطية بطريقة آلية بحتة، أي من منطلق أنها تعني مجرد حكم الأغلبية على الأقلية، فهي محكوم عليها بالفشل على المدى الطويل. ذلك لأن الحرية تتطلب منّا القدرة على تحمُّل الاختلافات في الرأي، بما في ذلك وجهات النظر المتعددة حول العلاقة الصحيحة بين الدين والسياسة. فدول مثل المغرب وتونس تُبرهن على أن التيارات السياسية والدينية والمدنية المختلفة يتسنى لها ليس فقط، التعايش سلمياً داخل مجتمع واحد، والتعامل بأسلوب يتحلى بالاحترام، بل أيضاً، التعاون مع بعضها البعض عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك.

 ‭{‬ هناك خوف يكبر في المغرب والعالم العربي من ازدياد حملات الكراهية ضد الإسلام والمسلمين في أوروبا وألمانيا بالتحديد، هل من خطة لمواجهة الإسلاموفوبيا في الغرب اليوم، خاصة بعد مجزرة شارلي إيبدو؟ 

< شهدنا في العقود الماضية تغيرات عميقة حدثت في المجتمعات بكافة دول أوروبا تقريباً. فالهجرة والنزوح من مختلف أنحاء العالم تضعنا أمام تحدي إدماج أشخاص ذوي خلفيات ثقافية مختلفة في حياتنا الاجتماعية. وقد نجحت الكثير من المساعي. ففي ألمانيا يعيش ملايين من البشر ذوي أصول مهاجرة، حيث يشعرون بيننا أنهم وسط أهلهم، ويثرون حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية. إلا أن هناك بالتأكيد مشاكل وصعوبات: فالتغيرات بالغة السرعة التي تطرأ على الواقع المجتمعي، من شأنها أن تثير لدى البعض مخاوف يتعين علينا التعامل معها. ألمانيا بلد منفتح على العالم الخارجي. إذ إن الأغلبية الساحقة من الألمان ترفض كافة أشكال العداء تجاه الأجانب. ونحن لن نترك لا للإرهابيين، ولا لكارهي الإسلام الفرصة لتفريقنا، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو ملحدين.  

‭{‬ هناك قناعة في المجتمعات العربية اليوم، من أن الاتحاد الأوروبي لم تعد تهمه الأجندة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وأن همه الآن هو مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن، وأن حكومات الاتحاد الأوروبي مستعدة للتعاون مع أشد الديكتاتوريات في العالم العربي إذا كان ذلك يضمن أمنها. ما هو تعليقكم على هذا الرأي؟

< أنا لا أرى ثمة تناقض بين مكافحة الإرهاب وتعزيز الديمقراطية. فإذا كنا قد استفدنا عبر الأعوام الماضية الدرس مما شهدنا في ليبيا والعراق وأماكن أخرى، فهو في الواقع أنه لا يمكن للديمقراطية أن تنجح دون حد أدنى من الاستقرار، وكذلك أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار على المدى الطويل دون حد أدنى من الإدماج السياسي. من ثمة، علينا القيام بكلا الأمرين: اتباع مصلحتنا المشتركة في تحقيق الأمن والاستقرار، وفي الوقت ذاته، تأييد المشاركة السياسية وحقوق الإنسان.

‭{‬ بعد الحرب العالمية الثانية أطلقت أمريكا مشروع (مارشال) كبير لإعادة بناء أوروبا، والحيلولة دون سقوطها في براثن الإيديولوجيات الشمولية والمتطرفة، لكن يلاحظ أن أوروبا وأمريكا لم تطلق أي مشروع لإعادة بناء العراق مثلا بعد حرب الخليج، وهو ما أدى إلى سقوط هذا البلد العربي الكبير في يد تنظيم القاعدة وداعش بعد 10 سنوات من الاحتلال الأمريكي لبغداد، ألا تشعرون السيد الوزير أن للغرب مسؤولية أخلاقية في انتشار العنف والتطرف والإرهاب في عالم اليوم؟

< إن المسؤولية الأخلاقية عن الإرهاب يتحملها الإرهابيون وحدهم، لا الغرب ولا الإسلام. ولكن هذا صحيح: أضاعت الحكومات العراقية السابقة الكثير من الفرص للإشراك السياسي المتكافئ لجميع فئات الشعب، ولاستخدام ثروات البلاد الهائلة لصالح الجميع. ولكن هل هذا هو السبب الذي يجعل الشباب من ألمانيا والمغرب ودول أخرى كثيرة يتوجهون إلى العراق ليقتلوا ويعذبوا؟ هل هذا هو الدافع وراء قيام شابين فرنسيين بحمام دم راح ضحيته صحفيون؟ أخشى أن الأسباب أكثر تعقيداً. كما أعتقد أننا لن نتمكن من السيطرة على هذه الظاهرة إلا سوياً من خلال فضح الإيديولوجية غير الإنسانية للإرهاب، وتقديم البدائل للشباب على ضفتي المتوسط.

 ‭{‬ كانت ألمانيا وإلى عهد قريب من أكثر الدول الأوروبية فهما واستيعابا للعالم العربي والإسلامي من خلال ازدهار الدراسات الاستشراقية الألمانية والترجمة، فهل فقدت ألمانيا الريادة في هذا المجال اليوم؟ وهل صارت دولة تتحدث فقط بالأرقام، وليس بالحروف والكلمات والفلسفات والعلوم والفن؟ 

< مع كل فخري واعتزازي بأداء الكتاب والمهندسين والعلماء الألمان: أرجوا ألا يكون هذا صحيحاً! حضرت إلى المغرب وفي صحبتي وفد ثقافي يضم ممثلين عن معهد «غوته» الثقافي الألماني، وعن الهيئة الألمانية للتبادل العلمي، وعن متاحف وأيضاً موسيقيين. إنني على اقتناع تام من أن التبادل الثقافي أهم في يومنا هذا من أي وقت مضى! 

نحن بحاجة إلى الفن والأدب لنفهم أنفسنا والآخرين، ولكي نتذكر إنسانيتنا التي تجمعنا.

شارك المقال