باريس وواشنطن.. كواليس التوتر مع الرباط حسب وثائق كولمان

31/01/2015 - 22:36
باريس وواشنطن.. كواليس التوتر مع الرباط حسب وثائق كولمان

كشفت الوثائق التي سربها «كريس كولمان»، إن تأكدت، جوانب من التوتر بين الرباط من جهة، وحليفين دوليين هما باريس وواشنطن، من جهة أخرى، وكيف تحاول الرباط أن تنزع فتيل التوتر مع العاصمتين العالميتين، دون أن يكون ذلك على حساب القضية الأولى للدبلوماسية المغربية: قضية الصحراء، ودون أن يتورط الأمنيون المغاربة في متابعات، ترى الرباط أن من يقفون وراءها يخدمون أجندات خصومها.

خفايا المفاوضات لحل الأزمة بين باريس والرباط

كانت أزمة العلاقات المغربية-الفرنسية حاضرة ضمن تسريبات كريس كوليمان. فقد كشفت مراسلة لشكيب بن موسى، سفير المغرب في باريس، جانبا من الاتصالات التي جرت بين الجانبين الفرنسي والمغربي لتطويق الأزمة بين البلدين، بعد حادثي استدعاء الشرطة الفرنسية مدير الديستي، عبد اللطيف الحموشي، وتهجم القبطان أديب على الجنرال بناني في مستشفى في باريس. المراسلة مؤرخة في 25 يونيو 2014، وهي موجهة إلى الخارجية المغربية، وتسلط الضوء على لقاء عقده بنموسى مع ستيفان روماتيت، المستشار الدبلوماسي للوزير الأول الفرنسي، مانويل فالس، وتم فيه التداول بشأن وصول المفاوضات بين المغرب وفرنسا إلى الباب المسدود، وأنه يجب بحث إطار آخر للتفاوض. 

حسب المراسلة، فإن المسؤول الفرنسي قال إن الأمر يقتضي إرادة سياسية لخلق مبادرة جديدة، تسمح باستكشاف الأشكال القانونية التي تستجيب للمواضيع المشتركة بين فرنسا والمغرب، وإن هذه المبادرة التي يمكن أن تبدأها فرنسا، يمكن أن تشرك أطرافا أخرى ذات ثقة، من قانونيين ودستوريين، الذين يمكنهم «استكشاف أجوبة متناسبة مع الدستور الفرنسي بما يحمي العلاقات الثنائية، وتنظيم الاختصاصات بين النظامين القضائيين، دون إعطاء الانطباع بأن نظاما قضائيا له اختصاص أكبر من الآخر». هذا الإطار الجديد من المحادثات «يمكن أن يتم من طرف سلطات سياسية قوية ورمزية مثل الوزير الأول الذي يملك هامشا مناسبا لتحقيق نتائج». وأشار المستشار الفرنسي إلى أن الوزير الأول فالس يعد «من المدافعين عن العلاقات المغربية الفرنسية، ومستعد للانخراط في هذا الطريق»، وأنه في حالة تم تهييء شروط إنجاح هذه المبادرة، «فإن الوزير الأول الفرنسي يمكنه زيارة المغرب للقاء السلطات المغربية». 

كريستوفر روس.. الخوف من القبعتين

 في ماي 2012، برزت أزمة بين المغرب وكريستوفر روس، المبعوث الأممي الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء. المغرب اتهم رسميا روس بالتحيز، وبعدم الالتزام بالضوابط التي من المفترض أن تؤطر عمل الوسيط الأممي، ولهذا قرر سحب الثقة منه، قبل أن يعود إلى منصبه بعد اتصال بان كي مون، الأمين العام الأممي، بالملك محمد السادس. تسريبات كريس كوليمان كشفت أن وثيقتين تنسبان إلى الخارجية المغربية تكشفان بدقة هواجس المغرب من روس، وكيفية تدبير الأزمة مع واشنطن بعد سحب الثقة منه. الوثيقة الأولى تحليلية، والثانية عبارة عن مراسلة من سفير المغرب في واشنطن إلى الخارجية المغربية حول تداعيات قرار سحب الثقة من روس. 

في الوثيقة التحليلية جرى الحديث عن صفات روس، فهو «رجل متقلب»، و«غامض»، و«له القدرة على إسماع كل طرف ما يريد سماعه»، و«قطعا متشكك في إرادة المغرب في تعميق الإصلاحات الديمقراطية وإرساء دولة القانون». أبعد من ذلك ترى الوثيقة أن روس ينتمي إلى فريق في الخارجية الأمريكية «لا يثق في المغرب»، وأنه منذ تعيينه في منصبه «لم يقدم نفسه كمفاوض، ولم يقدم أي اقتراح لحل النزاع، في حين يقدم نفسه كوسيط»، وهو ما «يعطي تصورا عن دوره المتواضع في خلق شروط جيدة لإطلاق دينامية للمفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يتحرك على مستويين؛ الأول، من خلال التدخل مباشرة في المفاوضات حول قرار مجلس الأمن، باقتراحه تعديلات عبر البعثة الأمريكية والبريطانية، وهو يعكس «مقاربة خطيرة» لأن «الوسيط يجب أن يبقى محايدا وموضوعيا خلال المفاوضات بشأن توصيات مجلس الأمن». المستوى الثاني يتعلق بحقوق الإنسان، حيث «لم يتغير موقف روس قيد أنملة، فهو من جهة يصرح بأن هذه القضية لا تدخل ضمن صلاحياته، لكنه، من جهة أخرى، لا يكف عن الضغط على المفوضية السامية لحقوق الإنسان للتدخل في هذا الملف».

الوثيقة تعكس تشكك المغرب في ما يريد روس الوصول إليه، حيث «يظل موقف المبعوث الأممي غامضا بشأن طبيعة الحل»، وأنه يحاول الوصول تدريجيا إلى الإقرار بأنه بعد 5 سنوات من الوساطة، فإنه يجب أن يجمع من هذا الطرف وذاك العناصر الأساسية ليتمكن من تقديم مقترحه الخاص. وتوضح الوثيقة أنه في ذهن المبعوث الأممي فكرة فحواها أنه يمكن تقديم حل يكون «أكثر قليلا من الحكم الذاتي، وأقل قليلا من الاستقلال».

الوثيقة تشير إلى أنه منذ تعيين روس سنة 2009 وسيطا في ملف الصحراء، أصبح تدبير ملف الصحراء في الإدارة الأمريكية «غير ممركز.. وخاضعا لتأثير روس داخل الإدارة الأمريكية». هكذا «أصبح روس بقبعتين؛ الأولى رسمية، وأخرى غير رسمية، ما جعل الوضعية صعبة».

معدو الوثيقة يبدون توجسا من أن يطرح روس «الكونفدرالية» التي لم يسبق طرحها. إنه خيار يطرح مشكلة أساسية: «ففي نظام كونفدرالي فإن الحق في الانفصال يكون مضمونا بالدستور».

أما الوثيقة الثانية، فهي عبارة عن رسالة وجهها رشاد بوهلال، سفير المغرب في واشنطن، في 31 ماي 2012، إلى الخارجية المغربية، مباشرة بعد سحب المغرب الثقة من روس، وتكشف ردود الفعل الأمريكية على قرار الرباط. السفير قال، استنادا إلى مصادره، إن الإدارة الأمريكية تلقت بـ«استياء قرار المغرب»، وإن الخارجية الأمريكية ترى أن «هذا القرار غير مناسب»، سواء من حيث مقاربته أو توقيته، وإنهم في الخارجية الأمريكية يشعرون بأنه تم المساس برجل ينتمي إليهم UN DES LEURS. المراسلة جاءت في سياق توضيح الصورة للخارجية المغربية قبيل اللقاء الذي كان متوقعا بين وزير الخارجية حينها، سعد الدين العثماني، وهيلاري كلينتون، في الأسبوع الموالي لإرسال الرسالة على هامش لقاء في اسطنبول، لكن يظهر أن هذا اللقاء لم يتم وفق ما انتظره المغرب.

مزوار يتدخل لابنته عند فابيوس

كان تسريب رسالة وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، إلى صلاح الدين مزوار، وزير الخارجية المغربي، بشأن التدخل لصالح ابنته سارة، للحصول على تصريح عمل في شركة ماكينزي، أحد أبرز التسريبات التي أثارت جدلا ضمن تسريبات كوليمان. الوثيقة المسربة تحمل توقيع فابيوس، وفيها يقول لمزوار إنه بمناسبة لقائهما في 14 نونبر الماضي (2013) في الرباط، «أخبرتني بالصعوبات التي تواجهها ابنتك سارة مع الإدارة الفرنسية من أجل الالتحاق بالعمل في شركة ماكينزي». ويضيف: «أخبرك بأنه بعد تدخلي تم تمكين ابنتك من رخصة العمل اليوم، وأنه يمكنها أن تبدأ حياتها المهنية اللامعة التي توافق دراستها». الخبر بدا صعب التصديق في الأوساط السياسية، فكيف يسمح مزوار لنفسه بأن يطلب من وزير خارجية دولة أخرى، بمناسبة لقاء رسمي، أن يتدخل لصالح ابنته للحصول على ترخيص للعمل في فرنسا، لكن عدم نفي مزوار للخبر، واكتفاء السفارة الفرنسية بالرباط بالقول: «لا تعليق»، جعل التساؤلات تطرح حول صحة هذه المراسلة «الفضيحة». المثير أن صاحب تسريبات كوليمان لم يكتف فقط بنشر هذه الرسالة، إنما أتبعها بمعطيات أخرى، بعد تسرب نفي الخبر من مصادر في الخارجية المغربية، حيث تمت الإشارة إلى اسم الموظف الفرنسي في السفارة الفرنسية الذي أرسل الرسالة إلى الخارجية ورقم هاتف مكتبه. أكثر من هذا، فإن المجهول كوليمان واصل نشر تفاعلات هذه القضية، ونشر ما وصفه بمراسلات عبر البريد الإلكتروني، بين مزوار ومستشاره الإعلامي رشيد باحا، حول نشر المواقع الإلكترونية رسالة فابيوس، حيث كان مزوار يحث باحا على تفادي القول بأن فرنسا هي التي تقف وراء التسريب.

شارك المقال