خفايا الخلاف بين بوليف والنقابات

10 فبراير 2015 - 23:43

«لا أحد له الحق في التدخل، ووزارتنا هي المعنية باتخاذ مثل هذه القرارات»، الكلام هنا للوزير المنتدب المكلف بالنقل والموجه إلى مهنيي النقل وزارة الداخلية، والذي يعبر عن حالة الشد بين الوزارة والنقابات بعد اتخاذ وزارة حصاد لقرار يلغي قرارا لوزارة بوليف، حيث أرضت النقابات خوفا من تنفيذ الإضراب.

ما الذي حدث حتى يصل التصعيد بين نجيب بوليف، الوزير المنتدب المكلف بالنقل، والهيئات المهنية للناقلين إلى تدخل وزارة الداخلية، وتوصلها، رفقة نقابيي النقل، إلى اتفاق يقضي بتوقيف العمل بأحد مقررات بوليف.

هذا الأخير سيوجه رسالة تقضي بالاستمرار في العمل بمقرراته، في اليوم نفسه الذي صدر فيه البلاغ المشترك بين الهيئات المهنية ووالي الدار البيضاء، الذي أخبر النقابيين الغاضبين بأنه يجتمع بهم بأمر من محمد حصاد وبتفويض منه.

البلاغ نص على تعليق الدورية الصادرة عن الوزارة المنتدبة المكلفة بالنقل بتاريخ 28 يناير الماضي، والرامية إلى عدم تجديد بطائق الإذن الخاصة بحافلات النقل العمومي للمسافرين، كأن الأمر يشبه سحب البساط من تحت قدمي بوليف الذي لم يعترف بهذا البلاغ، وقال متحدثا إلى « اليوم24»: «إن الوزارة الوصية على القطاع هي وحدها المخولة لاتخاذ قرارات من هذا النوع، ولا يحق لأي أحد أن يتدخل».

أصل الحكاية

خلال المناظرة الوطنية حول إصلاح قطاع النقل الطرقي العمومي للمسافرين، والتي نظمت في متم يناير 2013، أعطى رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الانطلاقة الرسمية للحوار القطاعي حول مشروع إصلاح وتنمية وتأهيل القطاع بين الوزارة الوصية عليه (الوزارة المنتدبة المكلفة بالنقل) والنقابات المهنية. وبالموازاة مع الشروع في انعقاد هذه اللقاءات بين بوليف والهيئات المهنية، كانت الوزارة تتقدم بمشروعين عبر قانون المالية 2013/2014؛ الأول يهدف إلى استرجاع الدولة للرخص (الكريمات) مقابل اعتماد جدول تعويض. ويرمي المشروع الثاني إلى تأهيل حظيرة ومقاولات النقل العمومي. 

عند استئناف الحوار كان نجيب بوليف يحرص شخصيا على محاورة المهنيين، ويناقش الفرقاء الاجتماعيين للنقل الطرقي بشأن الكيفية التي ستكون عليها المأذونية (الكريما). اشترط النقابيون أن تتحول المأذونية إلى اتفاقية بين الناقل والدولة، كما كان الطرفان يبحثان عن صيغ جديدة لولوج المهنيين الجدد، وطريقة إدماجهم بالقطاع. كان النقاش مثمرا وكان أحد أهم الشروط توفر الراغب في الاستثمار في النقل على رأسمال مهم جدا، كما تم الاتفاق على خلق سجل جديد للمهنيين الجدد، على أن يُحتفظ بالمهنيين الممارسين في السجل القديم. كان الإجماع في هذا النقاش، كما يحكي أحد مديري وزارة النقل حضر اللقاءات، أن «الكريما متبقاش». انطلق المهنيون وأطر الوزارة الممثلون للدولة في تهيئة العقد/البرنامج، وهو ما استغرق أزيد من ثلاثة أسابيع، وشاركت في صياغة المشروع 6 هيئات ومجموعة من أطر الوزارة، وبعد استغراق الوزارة لمدة 6 أشهر في دراسة النموذج المقترح للعقد البرنامج لدى الوزارة، كان الجواب، حسب يونس بولاق، الكاتب العام الوطني للنقابة الوطنية لمستثمري المقاولات الصغرى للنقل الطرقي للمسافرين بالمغرب، «إن ملفكم وصل إلى أعلى المستويات».

بينما كان النقابيون ينتظرون ردا من الوزارة الوصية حول العقد البرنامج الذي هيؤوا نموذجا منه، ستتلقى الهيئات المهنية التي حضرت الحوار مع بوليف دعوة من عبد الإله بنكيران في منزله. كان الحضور وازنا، الراحل عبد الله باها وعزيز الرباح، وزير التجهيز والنقل، والوزير المنتدب في النقل، نجيب بوليف، وإدريس الأزمي، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية. ناقش بنكيران الكثير من النقاط، والتفت نحو بوليف قائلا: «أوصيك بهؤلاء الناس، فهم وطنيون ويريدون خدمة البلاد. حافظ لهم على حقوقهم المكتسبة»، ثم التفت نحو المهنيين قائلا: «سي بوليف سيجد لكم صيغة، وإذا بغيتو الفلوس لدعم القطاع أنا موجود والحكومة مستعدة تزيدكوم».

«الكريما متبقاش»

بعد هذا اللقاء بحوالي شهر، قام نجيب بوليف، الوزير المنتدب، باستدعاء المهنيين إلى مكتبه. يحكي يونس بولاق عن تفاصيل هذا اللقاء قائلا: «عند استقبالنا من طرف السيد الوزير، أخبرنا بأن الكريما ستبقى، وأن ظهير 1963 لن يمس. رفضنا هذه المقترحات خصوصا في شق الكريما لأنه هو نفسه كان متحمسا لإزالتها. رفضنا جعل بوليف يعيد الحوار من أوله، وكان اقتراحه أن الكريمات التي سينتهي تاريخها لن نجددها، وأن ندخل الكريما إلى طلب العروض حسب مرسوم أعده بوليف وعزيز الرباح وزير النقل».

 مصدر من داخل الوزارة الوصية يشرح لـ« اليوم24» هذا المرسوم قائلا: «المرسوم يضع مدخلا وحيدا للحصول على رخصة استغلال النقل، هو المشاركة في طلبات عروض وفق شروط تعلنها وزارة التجهيز والنقل، وكانت مقتضيات المرسوم أن الأهلية المهنية للمرشحين والوسائل البشرية واللوجيستية التي يتوفرون عليها ستكون حاسمة في اختيار ملفات المستفيدين». يعلق بولاق بالقول: «رفضنا لأن هذا، حسب ما أخبرنا به بوليف، يضر بالمهنيين، خصوصا أن بعضهم استثمر الكثير من أمواله ولا يستطيع المنافسة».

هذا التشنج في المواقف جعل الحوار الذي كان قد بلغ مراحل متقدمة، يقدرها المهنيون الحاضرون بـ80 في المائة، يعود إلى نقطة الصفر، خصوصا بعدما رفض البرلمان بغرفتيه مشروع استرجاع المأذونيات بعوض من أصحابها. وجه بوليف على إثر ذلك دعوة إلى النقابيين المشاركين في الحوار، وأخبرهم برفض الدولة ذلك، وضرورة بلورة رؤية أخرى تنبني على التأهيل والتنمية، وطرح محورين للنقاش، الناقل والاستغلال.

سيتلقى المهنيون دعوة من الوزير المنتدب، محمد نجيب بوليف، إلى حفل توقيع على عقد برنامج يوم 5 دجنبر 2014، وهو ما رفضه المهنيون بشدة، ووجهوا رسالة إلى بوليف يخبرونه فيها بأن الحوار لم يكتمل، وأن 20 في المائة من الحوار لم يحسم فيها. رفض النقابيين سيفاجئ وزارة بوليف، التي أكد مصدر مطلع بها لـ«أ اليوم24» أنها استغربت الموقف، خصوصا أن «المهنيين سبق ووافقوا على الرؤية المعتمدة حول تأهيل النقل الطرقي التي ستمكننا من الانتقال إلى نظام يضمن تكافؤ الفرص والشفافية والمهنية والجودة، كما أنهم تحمسوا لتجميع الفاعلين في إطار شراكات مع الدولة».

بوليف والنقابات.. الباب المسدود

اجتمعت الهيئات المهنية في بوزنيقة، وأعلنت قرارها عدم التوقيع على صيغة بوليف للعقد البرنامج، وفي خضم ذلك كان بوليف يتقدم إلى الأمانة العامة للحكومة بمشروع تغيير وتتميم أحد المراسيم المرتبطة بتطبيق ظهير 12 نونبر 1963، وهو ما جعل المهنيين ينقلون المعركة إلى الأمانة العامة للحكومة، ويعدون مذكرة أرسلوها إلى إدريس الضحاك، كما نشروها على البوابة الإلكترونية للأمانة العامة للحكومة، وكانت هي النقطة التي أفاضت الكأس.

في الفاتح من يناير 2015، سيوقف بوليف تجديد بطائق الإذن الخاصة بالحافلات، وسيوجه رسالة إلى الهيئات المعنية، يدعوها فيها إلى عقد آخر لقاء قبيل التوقيع على عقد البرنامج، وسيعلن بوليف أنه عقد سلسلة من الاجتماعات لمعرفة الرأي النهائي للمهنيين بخصوص العقد البرنامج. واستجاب لطلب المهنيين، الذين طالبوا بمهلة إضافية لمدة أسبوع للتشاور مع قواعدهم على المستوى الجهوي والمحلي حول العقد البرنامج.

هذه الوضعية يلخصها عبد الرزاق الذهبي، الكاتب العام لنقابة الجامعة الوطنية لنقابات أرباب النقل، في حديث مع « اليوم24»، حيث يقول: «نحن لم نلجأ إلى وزارة الداخلية. لقد خضنا الحوار مع الوزارة، وما تبقى هو 20 في المائة من ملفنا المطلبي، لنفاجأ بالسيد بوليف يدعونا إلى توقيع العقد/البرنامج، وهو ما رفضناه لأن الحوار لم ينته بعد، فقرر السيد الوزير إيقاف التوقيع على تجديد الرخص ابتداء من فاتح يناير الماضي، وهو ما دعانا إلى إعلان الإضراب». 

وكانت النقاط المتفق عليها متعلقة بالاتفاقيات المزمع عقدها بين الناقل والدولة، وطرق الولوج الجديدة بالنسبة إلى المهنيين والمستثمرين الجدد، ودعم المقاولات، وكيفية دعم الدولة للمقاولين من أجل تجديد أسطولهم من الحافلات، فيما بقيت النقاط العالقة متمحورة حول إلغاء الكريمات وتعويضها بالاستثمار التشاركي بين الناقل والدولة.

الإضراب.. الداخلية تدخل على الخط

إعلان المهنيين اعتزامهم خوض الإضراب الوطني، وإمهالهم الوزارة الوصية مدة 72 ساعة ، جعل الداخلية تدخل على الخط، وهو ما يقول عنه أحد مصادر «أخبار اليوم»: «أصبح الأمر يتعلق بالأمن، ونحن مقبلون على عطلة»، ليتلقى المهنيون دعوة من وزير الداخلية يعدهم فيها بإيجاد حل لهذه المعضلة، في الوقت الذي أكد فيه الوزير بوليف أن المهنيين تخلفوا عن موعد كان مرتبا انعقاده يوم 28 يناير2015، معلنا أنهم قبل ذلك أبدوا موافقتهم على جل النقط الواردة في العقد البرنامج، ما يفسر أن الإضراب المعلن ليست له دوافع موضوعية».

قررت النقابات تمديد المهلة 24 ساعة إضافية، بعدها قام والي الدار البيضاء الكبرى، خالد سفير، بدعوة النقابات الغاضبة إلى اجتماع في مكتبه يوم 5 فبراير، حيث سيخبر الوالي الحاضرين بأنه يجتمع بهم بناء على أمر من وزير الداخلية، وقد وقع محضر الاجتماع بتفويض من الوزير، ليأتي البلاغ المنبثق عن هذا الاجتماع صادما، فقد كان تعليق الدورية الصادرة عن الوزارة المنتدبة المكلفة بالنقل بتاريخ 28 يناير الماضي، والرامية إلى عدم تجديد بطائق الإذن الخاصة بحافلات النقل العمومي للمسافرين وجميع الآثار المترتبة عليها، وتسريح الحالات المودعة حاليا بالمحاجز، وذلك إلى غاية متم شهر فبراير الجاري، بمثابة تدخل في اختصاصات بوليف، وهو ما جعله يصرح لهذه الجريدة قائلا: «أنا غير مسؤول عن هذا الاتفاق. بلاغ هذا الاجتماع كله مغلوط، ويظهر وزارة الداخلية كأنها هي الممسكة بالموضوع، في حين أن الوزارة الوصية باشرت منذ ثلاث سنوات الحوار مع النقابات المهنية، وهي مسألة وطنية، ولا علاقة لولاية أو جهة بها. نحن المسؤولون عن الحوار، ونتابع الملف، ولا أحد يستطيع أن يلغي أو يعلق قرارا أو دورية، وسنرد بالشكل المناسب».

رسائل متبادلة بين الداخلية وبوليف

في الوقت الذي كان فيه بوليف يعلق على بلاغ اجتماع الداخلية بالنقابيين، كانت وزارته توجه رسالة إلى المديرين الجهويين والإقليميين للتجهيز والنقل واللوجستيك، يؤكد فيها مضامين دوريته المعلقة، وذلك في موضوع تجديد صلاحية بطاقات الإذن الخاصة بحافلات النقل العمومي للمسافرين. ويظهر من خلال الرسالة أن الوزير المنتدب المكلف بالنقل، محمد نجيب بوليف، غير راض عن تدخل وزارة الداخلية في اختصاصاته، حيث جاءت الرسالة، التي طالب فيها بوليف المصالح المختصة التابعة لوزارته باعتماد مقتطف قرار لجنة النقل ساري الصلاحية عند تجديد بطاقات الإذن، في جزء منها، مؤكدة استمرار العمل بالدورية التي علقها اللقاء بين الوالي خالد سفير والمهنيين المجتمعين به.

رسالة بوليف سبقتها وثيقة أرسلتها الوزارة المنتدبة إلى جميع مقاولات النقل الطرقي للمسافرين على مجموع تراب المملكة، تدعوهم إلى التوقيع على انخراطهم في الحوار والمصادقة عليها، ثم إعادة إرسالها موقعة ومصادقا عليها إلى الوزارة، وكانت الحصيلة أن 23 شركة وقعت فعلا على هذه الوثيقة، وهو ما جعل الفقرة الثانية من رسالة بوليف تتضمن تجديدا للمقاولات المذكورة لمدة 6 أشهر، في حين لم يحظ الرافضون للتوقيع سوى بـ28 يوما. 

هكذا أمر بوليف بالترخيص «استثناء» لحافلات النقل العمومي للمسافرين المتوقفة عن الاستغلال لانتهاء صلاحية رخصها، على ألا يتجاوز تاريخ صلاحية هذا الترخيص الاستثنائي 28 فبراير 2015، فيما أمر بتمديد صلاحية بطاقة الإذن الخاصة بالرخص التي تستغلها المقاولات التي وصفها بـ«المنخرطة في مشروع إصلاح النقل، والتي التزمت بإنجاحه وذلك لفترة ستة أشهر». وتضمنت رسالة بوليف لائحة المقاولات التي ستتمتع بالتمديد لستة أشهر.

النقابيون الذين ينتظرون اليوم اتصالا هاتفيا من والي الدار البيضاء، باعتباره مفوضا من وزير الداخلية للحوار معهم، يعتبرون أن تعليقهم الإضراب تم بعد وعد الداخلية بإيجاد حل خلال هذا الاجتماع الذي يرجح أن يعقد غدا الأربعاء، دون أن ينفوا أن إمكانية إعلان الإضراب واردة في أية لحظة، وهو ما علق عليه بوليف قائلا: «هذه النقابات لم تقدر على مواجهة قواعدها ولجأت إلى مثل هذه الممارسات. هم غير قادرين على خوض الإضراب فعليا، وغير قادرين على الرجوع إلى قواعدهم والتصريح لها بأن هذا أقصى ما يستطيعون الوصول إليه». 

وردا على رسالة بوليف، اعتبرت مصادر نقابية مشاركة في الحوار، في اتصال مع «اليوم24»، أنها لن تتخذ أي إجراء في انتظار اللقاء الذي سيجمعها بالوزارة الوصية على القطاع، بإشراف وزارة الداخلية.

خسائر الصراع

Sans titre

هناك 119 حافلة متوقفة عن العمل منذ فاتح يناير حيث بدأت صلاحية بطائق الإذن باستيفاء أجلها وعدم تجديدها، وبالتالي بداية مسلسل التوقيف، إلى حدود كتابة هذا المقال، وهو عدد لا يغطي المساحة العامة للتراب الوطني، بل فقط المراكز الحضرية الكبرى. إحصائيات المصالح الخارجية للوزارة المنتدبة والهيئات المهنية تكاد تتطابق، إذا ما أضفنا إليها عدد المتضررين من التوقف عن العمل والمقدر بـ3550 شخصا، ومئات آلاف الدراهم من الخسائر المادية، فإن أزمة حقيقية يعيشها قطاع نقل الحافلات، وهو القطاع الذي يستحوذ على نصيب الأسد من عدد المسافرين يوميا عبر التراب الوطني.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي