بئر الأسرار تعرى 

12 فبراير 2015 - 23:57

زلزال كبير ضرب أوساط السياسة والمال في العالم كله، بعد فضيحة سويس ليكس، التي كشفت النقاب عن آلاف الحسابات البنكية في مجموعة HSBC البريطانية التي تملك أهم فرع لها في سويسرا. المبالغ، التي تعرت في تحقيقات نشرت في الوقت نفسه في عدد من صحف أوروبا، تبلغ 26 مليار دولار. 

 القصة بدأت عندما أقدم موظف سابق بمجموعة «إتش إس بي سي» البريطانية العملاقة على تسريب أسرار الحسابات البنكية المشبوهة إلى الصحافة، وفيها تظهر خدمات أخرى تقدمها الأبناك إلى زبنائها VIP، والقصد هو المساعدة على التهرب الضريبي وغسيل الأموال، والتكتم على حركة الحسابات البنكية. هذه بيانات تكشف حقائق مزعجة حول مساعدة فرع المصرف في سويسرا لعشرات الآلاف من عملائه على إخفاء حقيقة مصدر الأموال ومكان وجودها. وتكشف البيانات التي قدمها الموظف السابق إلى جمعية الصحافيين المتخصصين في التحقيق أن هناك 11 ألف شخصية عربية اختارت هذا البنك واختارت الخدمات التي يقدمها، منهم 1068 مغربيا، وعندما نطالع ترتيب المملكة المغربية على القائمة العربية نجد أننا في المرتبة الرابعة بـ6.1 ملايير دولار، أما المرتبة الأولى «فظفرت بها» السعودية، والثانية لبنان، والثالثة الإمارات العربية المتحدة…

هذه اللوائح أحدثت ضجة في أوروبا، وبدأت مصالح الضرائب في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها تفرك أيديها، وتنتظر الحصول على مليارات الدولارات كذعائر على التهرب الضريبي لعدد من الشخصيات في مجال الاقتصاد والسياسة والفن والرياضة، والذين تصوروا أن جدران البنك السويسري سميكة، وأن السر لن يطلع يوما إلى العلن، أما في العالم العربي، لم تنسق جمعية صحافيي التحقيق مع أية جريدة في العالم العربي لإشراك هيئات تحريرها في نشر كنز «سويس ليكس»، وربما كان زملاؤنا الأوربيون على حق، حيث إن جل الصحف في العالم العربي لم تقترب من هذا الموضوع وكأنه غير موجود، فيما انبرت أخرى للدفاع البليد عن أصحاب الحسابات، وسب لوموند والغارديان وغيرها من الصحف التي قامت بعملها، ونشرت أسماء أصحاب الحسابات من الشخصيات العمومية بعدما أخذت رأي كل من استطاعت الوصول إليه، وامتنعت عن نشر أسماء الناس العاديين احتراما لخصوصياتهم، لكن هذه قصة أخرى، فليس كل ورق مطبوع ومعروض للبيع يسمى جريدة، وليس كل صاحب قلم و«كلافيي» يسمى صحافيا.

ما هي آثار هذا «السكوب» الصحافي العالمي؟ وماذا سيبقى منه بعد أن تطفأ الأضواء؟

أولا: هذه الفضيحة تكشف حقيقة مهمة، وهي أن معركة الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات تربح كل يوم جولة، وأن العولمة وتكنولوجيا الاتصال والمعلومات تتواطآن على تكريس الوضوح وحق الناس في المعرفة، وتحطيم جدران الصمت والسر وأعمال الظلام التي بنتها الأبناك والمؤسسات المالية الضخمة لتشجيع الكبار على خرق القانون والتهرب من الضريبة والتلاعب بالمال بحرية مطلقة ودون مساءلة. 

ثانيا: هذه الفضيحة تنعش صحافة التحقيق، وتظهر إلى أي حد تحتاج الديمقراطية إلى صحف ومجلات ووسائل إعلام حرة ومستقلة ومتحررة من قيود السلطة وأغلال الرأسمال. الفضيحة اليوم التي تهز العالم أبطالها صحافيون، ومصدر معلومات تحرك ضميره أو جيبه لا يهم.. المهم أنه أعطى كنزا من المعلومات للصحافيين وأعضاء هيئات تحرير امتلكوا الجرأة لينشروا أسرار الكبار، ولم يمنعهم الخوف من المحكمة أو من أصحاب الإعلانات أو من ضغوط المساهمين في رأسمال شركاتهم من النشر، وتعزيز دولة الحق والقانون وحق المواطنين في المعرفة… وبعدها ليقرر المشرع والقاضي والناخب والحزب والمجتمع والرأي العام ما يريدونه.. هذه أصول اللعبة الديمقراطية. 

ثالثا: هذه الفضيحة التي انفجرت في أحد أكبر البنوك العالمية ستهز عرش المؤسسات المالية التي استغلت العولمة وسقوط الحدود واتساع السوق وضعف الرقابة وفساد السياسيين لتفرض قوانينها على الجميع، دولا ومجتمعات. لقد بدأ النقاش في بريطانيا، حيث وجهت المعارضة اتهامات خطيرة إلى حكومة كاميرون، التي عينت قبل أشهر قليلة المدير السابق لبنك «إتش إس بي سي»، ستيفن غرين، في مجلس اللوردات، ثم أوكل إليه كاميرون حقيبة وزير التجارة. لقد اتهم حزب العمال كاميرون بالتقاعس عن محاربة التهرب الضريبي، وتشجيع البنك المتهم من خلال إعطاء مناصب حساسة لمديريه…

ستتغير قوانين كثيرة في أوروبا، وستربح إدارات الضرائب في أوروبا مليارات الدولارات، ومعها وسائل جديدة لملاحقة المال القذر وتتبع جرائمه وتجاوزاته…

في أمريكا، وبعد انهيار عدد من الأبناك في خضم الأزمة الاقتصادية لسنة 2007، خرجت نكتة تقول: «إن السارق الحقيقي ليس من يسطو على بنك.. السارق الحقيقي هو من يؤسس بنكا». كانت هذه نكتة الآن يبدو أنها أصبحت حقيقة… 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خالد منذ 6 سنوات

حسنا فعل بوعشرين بكتابته لهذا المقال فقد هاجم الصحيفة (لو موند) في البداية واتهمها بانها تريد تسميم العلاقات المغربية الفرنسية لكأن (لوموند) قامت بكل عملها فقط لتسميم العلاقات المغربية الفرنسية و اعجبني رد احد الحفيين اللذين اسهما في التحقيق المذكور حين وصف اتصالات بعض الصحفيين المغاربة بابارانويا...

المكي قاسمي منذ 6 سنوات

نتمنى أن تكون بادرة إرجاع الصفريوي مؤخرا بإرجاع 300 مليار سنتيم من البنك السويسرس إلى المغرب، مكرها أخاكم لا بطل، انطلاقة لمسلسل إرجاع جميع المغاربة الذين لهم حسابات في ذات البنك أو بنوك أخرى الأموال المهربة إلى المغرب. وهذا يقتضى الكف عن التعامل مع المسألة بمكيالين أوأكثر، على ما يبدو. يجب وضع حد لكل تلك الحصانات المتعددة الأشكال والخارجة عن القانون. بحيث لا فرق أو استثناء ينبغي أن يكون بسبب الموقع السياسي أو السلطوي أو الإداري أو المالي، احتراما لدستور 2011,الذي أكد بشكل قوي على مبدأ المساواة بين المواطنين.زد على ذلك أن التصرف على أساس القانون وحده، سيحفظ للدولة والحكومة المصداقية بخصوص الإجراءاتء التي سبق واتخذتها منذ ما ينيف عن السنة، والتي أدت إلى رجوع قدر مهم من الأموال المهربة. أخيرا،نتوقع بتفاؤل كبير أن تحرص الجهات العليا على التطبيق السليم لمبدأ المساواة المشار إليه، و على ألا يستثنى أي مغربي مهما كان من العملية. خاصة وأن الجميع يعلم مدى الأهمية الاقتصادية والتنموية لرجوع الأموال المهربة وترويجها داخليا، الشيء الذي سيسمح لنا أكل خبزنا، عوض أن "ياكلو البراني" مع التحية والتنويه للأخ المحترم الصحفي النزيه توفيق بوعشرين

عبد الحميد الزروالي منذ 6 سنوات

تحية للموظف السابق ببنك "أتش-إس-بي-سي h.s.b.c " الذي فضح المستور و وزود الصحافة بالحسابات السرية للعديد من الأثرياء من مختلف الجنسيات الذين وضعوا أموالهم بالبنك المذكور ,متهربين من أداء الضريبة,إلى أن انفضح أمرهم لما تجرأ الموظف البنكي على إزاحة السرية عن حسابات هؤلاء الزبناء. وتحية للصحافة الجريئة التي تنشر مثل هذه المواضيع والمعلومات المهمة التي يصعب الحصول عليها والتي تكتسي طابعا" سريا وخطيرا". أما الصحافة التي تدين وتكتب عن موظف بسيط أو شرطي أرغمته ظروفه وعدم ترشيد نفقاته"البسيطة" لمد يده من أجل الحصول على بقشيش أو دريهمات, فيجب عليها إعادة النظر في خطها التحريري .

عبد الحميد الزروالي منذ 6 سنوات

تحية للموظف السابق ببنك "أتش-إس-بي-سي h.s.b.c " الذي فضح المستور و وزود الصحافة بالحسابات السرية للعديد من الأثرياء من مختلف الجنسيات الذين وضعوا أموالهم بالبنك المذكور ,متهربين من أداء الضريبة,إلى أن انفضح أمرهم لما تجرأ الموظف البنكي على إزاحة السرية عن حسابات هؤلاء الزبناء. وتحية للصحافة الجريئة التي تنشر مثل هذه المواضيع والمعلومات المهمة التي يصعب الحصول عليها والتي تكتسي طابعا" سريا وخطيرا". أما الصحافة التي تدين وتكتب عن موظف بسيط أو شرطي أرغمته ظروفه وعدم ترشيد نفقاته"البسيطة" لمد يده من أجل الحصول على بقشيش أو دريهمات, فيجب عليها إعادة النظر في خطها التحريري .

التالي