هل غير البنك الشعبي جلده ؟ المدير العام يجيب على هذا السوال

14/02/2015 - 11:10
هل غير البنك الشعبي جلده ؟ المدير العام يجيب على هذا السوال


حسن البصري، مدير عام في البنك الشعبي المركزي، مكلف بتدبير المخاطر، أمسك بملف ساخن بين يديه يغير جوهريا بطبيعة ملكية البنوك الشعبية الجهوية. في مشروع قانون معروض على البرلمان، يطلب البنك الشعبي المركزي أن يسمح له المشرع باقتناء 
51 % من رأسمال البنوك الشعبية الجهوية التعاونية. البصري كان مكلفا، في سنة 1996، وكان وقتها مسؤولا في وزارة الاقتصاد والمالية، عن تدبير ملف إصلاح القرض الشعبي للمغرب عبر مشروع القانون 96/12 الذي كان من بين أهدافه، تقوية هياكل القرض الشعبي للمغرب، وإيجاد صيغة لفتح رأسمال البنك المركزي الشعبي عوض خوصصته. وقد تم ذلك فعلا، إذ طرحت الدولة 20 % من حصتها في رأسمال هذا البنك في البورصة وفوتت 52% منه إلى البنوك الشعبية الجهوية.

ويرمي مشروع القانون الجديد إلى فتح رأسمال البنوك الشعبية الجهوية في وجه البنك المركزي لنفس الغرض وهو تقوية تماسك منظومة القرض الشعبي للمغرب. في هذا الحوار، يوضح البصري كيف ستجري العملية؟ كما يحدد كلفتها ونتائجها على البنك المركزي وعلى البنوك الجهوية، ويجيب على الإشكالات الأكثر جدلا في هذه العملية.

  

– لنبدأ أولا بسؤال حول ما دفع القرض الشعبي إلى استصدار مشروع قانون يعيد هيكلة بنية البنوك الشعبية الجهوية في علاقتها مع البنك المركزي الشعبي ؟

 

يجب أن ننظر إلى الأمر كصيرورة تاريخية لنفهم الضرورة وراء مشروع القانون هذا، لأن القرض الشعبي هو المجموعة البنكية الوحيدة التي يؤطرها في المغرب قانون خاص بها وحدها. وبالطبع، يضاف إليها قانون الأبناك وقانون الشركات، وكان أول ظهير ينظم القرض الشعبي قد صدر في 1926، ووضع نظام بنكي فريد من نوعه كان سائدا وقتها، هو البنوك التعاونية. ووزعت هذه البنوك بين بنوك شعبية جهوية، وبنك شعبي مركزي،  وكان هدف البنوك الجهوية هو منح القروض داخل النطاق المكاني حيث توجد، فيما يتكلف البنك الشعبي المركزي بتشكيل السياسة العامة، وتسيير خزينتها، فهو يقوم بدور بنك المغرب بالنسبة إلى الأبناك الأخرى. وبعدها، أتى إصلاح 1961، ليضع الركائز الرئيسية لمجموعة القرض الشعبي كما هي حاليا، ومنح إلى لجنة سُميت باللجنة المديرية صلاحيات كبيرة لتسيير  المجموعة، وتتشكل هذه اللجنة من ممثلين عن البنوك الشعبية الجهوية والبنك المركزي الشعبي. وبقي العمل  سائرا بهذه الطريقة حتى صدر قانون 12/96، وكي نعرف  لماذا صدر هذا القانون وجب أن نعرف أن البنك المركزي الشعبي كان موجودا ضمن لائحة المؤسسات المدرجة للخوصصة، لأنه كان حينها في ملك الدولة بنسبة تتجاوز 90 في المائة من الرأسمال،  وظهرت بشكل فوري المخاوف من تفويت البنك المركزي الشعبي إلى مستثمرين غرباء،  وكان جليا أن خطرا سيتهدد البنوك الشعبية الجهوية بسبب تلك النوايا في الخوصصة. ولكن بفضل قانون 12/96، قرر المشرع ألا تطبق عملية الخوصصة بالطريقة المعتادة على البنك المركزي الشعبي، بل حُولت نسبة من أسهمه -20 في المائة- إلى البورصة، فيما فتح الرأسمال المملوك للدولة كي تقتنيه البنوك الشعبية الجهوية وحدها، فأصبحت بهذه الكيفية، تملك 52 في المائة من رأسمال البنك المركزي الشعبي، أي بطريقة أخرى، أصبحت المساهم الأساسي في رأسماله. والنتيجة الجوهرية لهذا التحويل في الملكية، كانت أن وضع حد نهائي لأي تناقض بين البنك المركزي الشعبي والبنوك الشعبية الجهوية، وبدل ذلك، أصبحت كل إنجازات البنك الشعبي المركزي تعود بالنفع أوتوماتيكيا على البنوك الشعبية الجهوية.

ويجب الانتباه في هذا الصدد، إلى أن الدولة كنتيجة لتطبيق هذا القانون، غادرت البنك المركزي الشعبي ، وكانت حتى ذلك الوقت، تضمن تماسك القرض الشعبي للمغرب، ولأننا تتملكنا الرغبة نفسها في ضمان هذا التماسك ، فقد وضعنا خطة على شكل قانون، لمنع أي مستثمر غريب عن البنك في أن يضع يده على ملكية القرض الشعبي، وكي لا يؤثر على الهيكلة القائمة للبنوك الشعبية. والمبدأ المحرك لهذه العملية كان مباشرا: مثلما تملك البنوك الشعبية الجهوية أغلبية رأسمال البنك الشعبي المركزي، على البنك الشعبي المركزي أن يملك أغلبية رساميل البنوك الجهوية، وسنضمن بهذه الطريقة، وبشكل نهائي، تماسك البنوك الشعبية، على أننا أيضا نؤكد على وجود حقوق متساوية بين البنك الشعبي المركزي والبنوك الشعبية الجهوية، حتى لا يقع أي حيف. وهذه الحقوق هي الحق في الأرباح والحق في الاحتياطيات. وحتى نفهم جيدا ما نعنيه بالحق في الاحتياطيات، فإن معناه ليس هو أن يتصرف أحد ما في تلك الاحتياطات، بل ستبقى في كل مؤسسة، لأن ضمان تساوي الحقوق كما أقره مشروع القانون، سيدفع أيضا البنوك الشعبية الجهوية إلى التصرف في احتياطي البنك الشعبي المركزي. لا يمكن بأي حال، أن تتصرف مؤسسة بنكية في احتياطي مؤسسة بنكية أخرى. وكي نفهم أن المستفيد الأول من هذه العملية سيكون البنوك الشعبية الجهوية، فإن 51 في المائة من رأسمال البنوك الجهوية التي يقتنيها ستزيد من الأموال الذاتية لهذه البنوك، وستدعم بالتالي قوتها وصلابتها المالية.

 

– من يسير مجموعة البنك الشعبي (البنك المركزي والبنوك الجهوية) على كل حال؟

تسيره لجنة مديرية فيها بالتساوي أعضاء ممثلين للبنوك الشعبية الجهوية، وممثلين للبنك الشعبي المركزي، أي 5 +5، وحاليا، فإن ممثلي البنوك الشعبية الجهوية هم من يشكل الأغلبية داخل اللجنة المديرية باعتبارها أعلى هيئة تقريرية في القرض الشعبي. أي أن كل قرار استراتيجي في حياة المؤسسة تتخذه هذه اللجنة حيث حقوق التصويت متساوية. وهذه اللجنة هي أساس التوازن داخل مجموعة البنك الشعبي.

 

– ولكن أليس شراء أغلبية أسهم البنوك الشعبية الجهوية سينقل ملكيتها إلى البنك الشعبي المركزي وسيفقدها لصفتها كتعاونية؟

كما أشرت سابقا حول ضرورة أن يتمتع البنك الشعبي المركزي بالحقوق نفسها التي تتمتع بها البنوك الجهوية إزاءه،  فإننا أيضا طورنا طريقة لتفعيل هذا التساوي في عملية الاقتناء، لأن البنوك الجهوية لما اشترت أغلب رأسمال البنك الشعبي المركزي، فقد كان ذلك بقيمته في السوق، وحرصنا في مشروع القانون المعروض على البرلمان على أن يقتني البنك المركزي الشعبي أيضا الحصص في البنوك الجهوية بقيمتها السوقية، وليس على أساس مبلغ 100 درهم للحصة، وهو الثمن الذي يؤديه الزبناء مالكي الحصص. وسيكون ذلك وفق طرق تقييم المقاولات. واللجنة المديرية وبها ممثلون عن البنوك الجهوية، هي من ستحدد الطريقة المناسبة لتقييم تلك الحصص. وعلى كل حال، فإن هذه القيمة ستكون أضعاف القيمة الإسمية.

 

ولكننا قد لا تستطيع تفسير أن المالكين للبنك الشعبي المركزي، وهم البنوك الجهوية، سيفوتون بنوكهم لفائدة البنك الذي يملكونه في الأصل، أي البنك المركزي..

الهدف الأساسي عندنا هو أن تبقى منظومة البنك الشعبي مندمجة بصفة نهائية، وما لدينا في البنك الشعبي يجب أن يبقى كما هو، لأننا لسنا مثل مقاولة أخرى لديها شخص يملكها يسعى إلى الربح فقط، لأننا نعتمد نموذجا يترك نسبة كبيرة من الأرباح داخل المقاولة ، وهذه هي قوة المجموعة، لأن حجم الأموال الذاتية تطور بنسب كبيرة بسبب عدم توزيع كل الأرباح.

وكي أعود إلى سؤالكم حول مخاطر أن تفقد البنوك الشعبية الجهوية طبيعتها كتعاونيات، فإن القانون يقدم جوابا حاسما: إن البنوك الشعبية الجهوية ستبقى بنوكا تعاونية، وسيحتفظ الشركاء عندها بحقوقهم كافة. وتطرح صفة الشركاء بعض الإشكالات ينبغي تدقيقها، فالكثير من هؤلاء الشركاء لديهم خصص اسمية تساوي 100 درهم عن كل واحدة، بينما القيمة السوقية لهذه الحصة تزيد بكثير عن هذه القيمة، ومع ذلك، سيحتفظ لهم القانون بالحق في مكافأة حصصهم، والمشاركة في الجمع العام للمؤسسة، وأن يكونوا أعضاء في مجلس الرقابة، وقد يصبحون ممثلين للبنوك الجهوية في اللجنة المديرية. البنوك الشعبية الجهوية بنوك مستقلة من حيث القانون، فهي بنوك مرخص لها من بنك المغرب ولديها مجالس إدارتها ومجالس رقابتها، وجموعها العامة.

 

لكن في مشروع القانون تحتفظون لأنفسكم كبنك شعبي مركزي بحق ضم وحل البنوك الجهوية الشعبية، بطريقة مثيرة للجدل، وتكون طبيعتها متعسفة..

قضية حل البنوك الجهوية أو ضمها أسيء فهمها، لأنها وضعت في سياق خاص مرتبط بالبنك الجهوي للدار البيضاء، وهنا كان لدينا البنك الشعبي المركزي أيضا، وقد حدث خلط كبير عند الناس حول من يكون هذا ومن يكون ذاك، وكان تقييمنا للوضع أننا ما دمنا في مدينة واحدة، فإننا يجب أن نحتفظ ببنك واحد فقط، أي البنك المركزي الشعبي. وهكذا، جرى ضم البنك الجهوي للدار البيضاء بقواعد مغايرة عما سنطبقه في عملية الاقتناء لحصص البنوك الشعبية الجهوية، أي باعتماد القيمة السوقية للحصص، وليس بالقيمة الإسمية.

 

مادام الأمر سيكون بهذه الطريقة كما تقولون، ألم يكن من الأفيد أن تجري عملية الاقتناء عبر بنود قانون الشركات بدل اللجوء إلى مسطرة التشريع بقانون؟ 

دعني أجيبك بسؤال أيضا: لماذا هنالك قانون خاص للقرض الشعبي دون غيره من البنوك؟ لم يكن وجود هذا القانون يوما مرتبطا بوجود الدولة في رأسمال البنك المركزي الشعبي، بل لتنظيم العلاقات بين البنوك الشعبية الجهوية والبنك الشعبي المركزي، إذ ليس لدينا قانون يؤطر التعاونيات البنكية مثلما هو الحال في فرنسا وعدة دول أوروبية. فهم عندهم قانون التعاونيات البنكية، لكننا لا نملكه، وكل ما لدينا هو قانون للبنك الشعبي وحده، ولو كان لدينا قانون مثل ما للدول الأخرى، فإن طريقة تصرفنا في مسائل الاقتناء ستكون مختلفة عما هو مطبق حاليا.

 

كيف تطور وضعكم القانوني كبنك شعبي مركزي في مسلسل اقتناء حصص من رأسمال البنوك الشعبية الجهوية من نسب لا تزيد عن 5 في المائة إلى نسب 51 في المائة؟

كانت هنالك مادة رقم 19 في قانون إصلاح القرض الشعبي رقم 96/12 تمنع على البنك الشعبي المركزي أن يملك حصصا في البنوك الشعبية الجهوي إلا بصفة مؤقتة واستثنائية على ألا تتجاوز نسبة 5 في المائة، لكن ظهير شريف رقم 1.10.154 الصادر في 24 غشت 2010، نسخ أحكامها وحل مكانها منطوقا جديدا هو: « تخضع مساهمات البنك المركزي الشعبي في هيئة أو عدة هيئات أخرى من القرض الشعبي للموافقة المسبقة من اللجنة المديرية التي تحدد مستوى هذه المساهمات وإجراءات تنفيذها ». وبالتالي، فقد أصبح للجنة المديرية كامل الصلاحيات في تحديد نسبة مساهمة البنك المركزي الشعبي في البنوك الشعبية الجهوية.

 

أحدثتم في مشروع القانون حصصا امتيازية في البنوك الجهوية تسمح لكم بالاكتتاب فيها دون باقي المساهمين الآخرين، وتعطيكم هذه الحصص الامتيازية الحق في الارباح والاحتياطات المملوكة للبنوك الشعبية الجهوية، ولا تعطي الحق في الاحتياطيات إلى المساهمين في تلك البنوك.. أليس هذا كسبا غير مشروع على حساب البنوك الشعبية الجهوية؟

كي ننهي هذه القضية لمرة أخيرة، هنالك حصص اسمية عادية يشارك بها الزبون وتساوي 100 درهم، وهنالك حصص امتيازية سيؤدي البنك المركزي قيمتها على أساس القيمة السوقية، التي كما ذكرت ستكون أضعاف القيمة الإسمية، وهي من تعطيها الحق في الأرباح. ستكون مشكلة كبيرة، لو منحنا إلى البنك الشعبي المركزي الحق في الحصول على حصص امتيازية ب100 درهم مع الحق في الأرباح. وبالنسبة لقضية الاحتياطات، فإننا حسمنا الأمر حينما قلنا إنها تبقى في ملك البنك الأصلي.

شارك المقال