ألوان فبراير 

20 فبراير 2015 - 20:18

هل حقق حراك 20 فبراير أهدافه، أم، بالعكس، فشل في الوصول إلى مراده؟ الرأي السائد وسط الشباب، الذي حرك المياه الراكدة في البركة المغربية قبل أربع سنوات، يميل إلى الاعتراف بالفشل، وبكون حركة 20 فبراير لم تصل إلى الدستور الديمقراطي الذي تضعه لجنة تأسيسية، ولم يتحقق على أيدي شباب الحركة مطلب الملكية البرلمانية، ولم تُفتح الزنازين للفاسدين، ولم تختفِ أحزاب السلطة، ولم تعرف المملكة إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة، وبالمجمل، لم ينزع المغرب رداء الاستبداد، ولم يلبس جبة الديمقراطية.. ضاعت فرصة للتحرر، ولن تتكرر في القريب من الأعوام، لأن حركة الشعوب أبطأ من حركة سلحفاة بحرية على الشواطئ الرملية…

اسمحوا لي أن أختلف كليا مع هذا الرأي، وأبدأ من تعريف حركة 20 فبراير، لكي نحكم على أدائها وأهدافها، وما حققته وما لم تحققه. 20 فيراير حركة اجتماعية وليست حزبا ثوريا، وشباب الحركة غير المتجانس خرج في إطار احتجاجات عفوية، ولم يكن في ساحة نضال ثوري ببرنامج يستهدف الإطاحة بالنظام والاستيلاء على السلطة ونصب المشانق لأعداء الشعب. إذا سلمنا بهذه الحقيقة، فيجب أن نسلم بأن الاحتجاجات الاجتماعية والانتفاضات الديمقراطية تدخل في خانة التوجهات الإصلاحية وليس الثورية، والحركات الإصلاحية بطبيعتها مبنية على أسس تراكمية، وليس على قطيعة سياسية مع الماضي والواقع القائم، وبالتالي، فإن مفعولها ممتد عبر الزمن في السياسة والثقافة والذاكرة والعقل الجماعي.

الآن لنطل بسرعة على ما حققه الحراك المغربي.. جاء بدستور جديد لأول مرة يضعه المغاربة وليس الخبراء الفرنسيون، ورغم كل الملاحظات المسجلة عليه، فإن الدستور وثيقة تعكس موازين القوة في لحظة من اللحظات، وموازين القوة سنة 2011 كانت شبه متعادلة بين الدولة، وفيها القصر ومحيطه، والأحزاب ونخبها، ورأس المال ومصالحه، والإدارة واللوبي التابع لها، والخارج وفيه فرنسا وأمريكا.. كل هؤلاء كانوا مع إصلاح في ظل الاستمرارية، وفي الجهة الأخرى كان هناك جزء من الشارع والشباب المتحمس للتغيير ورياح الربيع العربي، وجزء من اليسار وجماعة العدل والإحسان وأطراف من المجتمع المدني وهؤلاء يعرفون ما لا يريدون في مغرب اليوم لكنهم مختلفون على ما يريدونه لمغرب الغد… 

لكن ما يسمى في السوسيولوجيا السياسية بالكتلة الحرجة، أي الطبقات الوسطى، بقيت في الوسط، مع التغيير لكن في ظل الاستقرار، مع الإصلاحات لكن في كنف القصر لا خارجه… وهذا ما أعطى دستورا متقدما اقتسم فيه الملك جزءا من سلطاته مع رئيس الحكومة، وأعطى انتخابات هي الأكثر شفافية مقارنة بسابقاتها، وحكومة هي الأكثر تمثيلية مقارنة بحكومات التقنوقراط المطعمة بوجوه سياسية لا تمثل شيئا… 

الربيع المغربي، كما قال بنكيران، نار «سخنت الطاجين المغربي لكنها لم تحرقه»، ليس لأن الربيع المغربي ضعيف، ولكن لأن الأوضاع في المغرب مختلفة عن تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، حيث الرؤساء في هذه البلدان فقدوا المشروعية، في حين أن الملكية في المغرب مازالت تتوفر على قسط كبير من المشروعية، وذلك لأنها تتعامل بمرونة وبرغماتية مع التحولات الجارية، وتجدد نفسها كل مدة، وتتكئ على مخزون ديني لم تفرط فيه في بلاد ومجتمع عُرفا تاريخيا بمحافظتهما…

الحراك المغربي لم يقتل حزب الأصالة والمعاصرة، مثلا، لكنه غير من وظيفته وقزم من طموحه. البام كان يستعد لتسلم مفاتيح الحكم في 2012، والقضاء على خصومه وأعدائه، وبناء النموذج التونسي في المغرب، حيث الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب الحرية والديمقراطية والتعددية والحق في المعارضة، الآن، وبعد الحراك المغربي صار أقصى طموح الجرار أن يوقف زحف الإسلاميين، ويبطئ حركة المصباح، وربما المشاركة في الحكم معه سنة 2016، فشتان بين المخطط الأول والواقع الآن…

هذه أمثلة، وإلا فإن هناك العديد من المكتسبات التي خرجت من رحم 20 فبراير، ومنها كسر الخوف من السلطة في نفوس الناس. الربيع العربي نقل الخوف إلى الدولة من الشعب، وقبله كان الشعب من يخاف الدولة. أعاد الربيع المغربي الحياة إلى الشارع، وأدخل إلى السياسة عشرات الآلاف من الشباب الذين كانوا بعيدين عن الاهتمام بالشأن العام. انظروا إليهم يتحركون وينشطون في المسيرات الاحتجاجية وفي مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحافة والجامعة والمعاهد وفي ساحة الفن والمسرح والسينما والتشكيل… هناك روح جديدة بعثت في هؤلاء الشباب، وغدا سينضمون إلى أحزاب قائمة، أو يؤسسون أحزابا جديدة، وسيواصلون ما بدؤوه في 20 فبراير بأشكال أخرى وألوان أخرى…

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fadid منذ 6 سنوات

je confirme ton avis Monsieur مغربي على قد الحال

عمر علي منذ 6 سنوات

الربيع العربي فضح الكثير من العورات المستورة بأوراق التوت: *الشباب العربي أكثر تقدمامن النخب و الأحزاب التي حولت الأوطان إلى قاعات انتظار هائلة.انتظار ما لن يأتي.فقد تجرأ الشباب بالإشارة إلى الداءوتسمية المسببين فيه. *الشباب أبهر العالم و أصاب النخب بالصدمة باستعمال الإعلاميات للإتصال فيما بينهم و إسماع صوتهم.منذ ذلك الوقت أصبحت الإعلاميات سلاحا مرعبا للفساد يستعمله الشباب في كل مكان في العالم و أصبحت وسائل الإعلام التقليدية على الهامش *عجز هذه النخب و الأجزاب عن تأطير حركة الشباب و المساعدة في تحديد أهدافها المرحلية و النهائيةبل حتى المساهمة في تنبيه الشباب إلى المؤامرات التي تحاك في الخفاء ضدهم.بل انتظروا نجاح الثورة و الانتقضاض عليها. *التآمر الفاجر لبعض الدول <> ضد هذه الثورات .فقد أظهرت هذه الدول عدم قبولها بحكومات منتخبة ليس لأنها ستحارب أميريكا و إسرائيل و تمنع حرية التعبير و تقطع الأيدي و الأرجل والرؤوس بل لأن تلك الحكومات ستحارب الشركات الوطنية و الأجنبية التي تنهب البلادوتخصص ثروات البلاد لخدمة المواطنين.فهذه الدول لن تقبل بحق الشعوب في الحرية والتنميةالشعبية *استعمال الإعلاميات في الثورات العربي ة نتج عنه النتشار الواسع للأنترنيت و الفايسبوك بين الشباب و المثقفين.إدى ذلك إلى قيام الشركات العالمية بصناعة برامج إعلامية للحكومات المتخلفة لتشديد الرقابة على الشباب المتقدم.حتى على المستوى العالمي اتخذت عدة أجراءات تحد من حرية الأنترنيت بدعوى محاربة الإرهاب و هو ما تشتكي منه حتى مجتمعات الدول الغربية

مغربي على قد الحال منذ 6 سنوات

"هؤلاء يعرفون ما لا يريدون في مغرب اليوم لكنهم مختلفون على ما يريدونه لمغرب الغد" تعبير بليغ يلخص حال كل الشعوب العربية للاسف شعوب مسكينة مقهورة جعلتها ثورة الاتصالات تدرك هول ما يفصلها عن اقرانها في الغرب فكان ان تحركت لتلحق بها لكن ارث الماضي كبلها واعادها الى اسوأ مما كانت عليه ربما لسان حال السوريين والمصريين واليمنيين والليبيين يترحم على زمن طغاة كانوا ارحم ممن خلفهم الاستبداد ثقافة اصيلة لها روافد عديدة في ثقافتنا وفكرنا حضارة اليونان والرومان خلفت ماثر لبرلمانات تداولو افيها امور دولهم اما في مصر مثلا فكل اثارهم قبور لطغاتهم حيث عبدوهم حتى بعد موتهم

M.KACEMI منذ 6 سنوات

L'essentiel dans la conjoncture politique actuelle du pays serait, à mon opinion, que l'état se mette à distance égale par rapport aux partis politiques, pour garantir une évolution saine du processus de démocratisation

التالي