منذ أن هبت ريحه الخبيثة على جزء كبير من الشام والعراق، أصبح تنظيم «داعش» الإرهابي محط كل الأنظار بالعالم العربي والغرب. في هذه الندوة التي نظمت بمعهد «HEM»
بطنجة يحاول مجموعة من الباحثين تفكيك الخطاب الداعشي ومعرفة التقنيات التي يوظفها لاستقطاب المقاتلين.
داخل قاعة الاجتماعات، بالمدرسة العليا للتدبير والتسيير بطنجة، التأم باحثون فرنسيون بجامعة ستراسبورغ وليون، وأكاديميون عرب من أصول فرنسية، حاولوا فهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا الورم السرطاني، كما وصفوه، المسمى «داعش»، هذا التنظيم الذي لا يتقن سوى لغة ذبح وحرق الأسرى الذين يعتقلهم في الحرب الدائرة في بلاد الشام والعراق.
«من هم داعش»؟ هل هو تنظيم حقيقي أم وهمي؟ من صنع هذا التنظيم.. أمريكا أم إسرائيل، أم هو صنيعة الديكتاتورية العربية؟ لماذا كل هذا القتل؟ أسئلة وغيرها حاول المشاركون في هذه الندوة طرحها على الباحثين، كل حسب موقعه، لتقديم إجابات حول هذه الظاهرة المسماة «داعش».
يهود داخل جيش داعش
إيريك جوفروا، أستاذ الإسلاميات في جامعة ستراسبورغ، كان أول المتدخلين في هذه الندوة، وأورد بعض الأحاديث التي تؤكد ظهور أصحاب الرايات السوداء، في إشارة إلى «داعش»، وسرد الحديث الذي يقول فيه النبي (ص): «إذا خرجت الرايات السود، فإن أولها فتنة وأوسطها ضلالة وآخرها كفر».
يقول إريك إن هذا الحديث يؤكد أن العالم الإسلامي فعلا يعيش فتنة اسمها «داعش»، ولمواجهة هذا التنظيم استشهد إريك، وهو متخصص في مجال التصوف الإسلامي، بحديث آخر، يقول فيه النبي (ص): «(إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض، فلا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم صغار لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، أصحاب الدولة، لا يوفون بعهد ولا ميثاق. يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى، ونسبتهم القرى، شعورهم مرخاة كشعور النساء حتى يختلفوا في ما بينهم، ثم يؤتي الله الحق من يشاء».
من خلال هذا الحديث -يقول الباحث الفرنسي- يتبين أن هذه ظهور الجماعة، أي «داعش»، منصوص عليه في الحديث النبوي، وهي أيضا تستمد قوتها من مثل هذه النصوص، وتعتقد أنها هي من ستعيد الخلافة الإسلامية.
هذه الأحاديث، حسب الباحث الفرنسي، كلها تستعمل من قبل قيادات «داعش» وتلقنها لجيشها ليتأكدوا فعلا أنهم هم جند الخلافة الإسلامية، وأنهم قادرون على تطهير أرض الشام والعراق من الكفر.
من جهة أخرى، كشف الباحث الفرنسي أن كنية القيادات في هذا التنظيم كلها تشير إلى بلدانهم: أبو بكر البغدادي نسبة إلى بغداد وأبو بكر الناجي وغيرهما، وحتى الكتائب المقاتلة تحمل أسماء من هذا القبيل.
وفي سياق حديثه عن العناصر المكونة لهذا الجيش، صدم إيريك الحاضرين، عندما قال إن هذا التنظيم يتوفر على مقاتلين من أصول يهودية إسرائيلية وروسية، بالإضافة إلى مقاتلين عرب وخليجيين ومن أوروبا الشرقية وأضاف: «هناك ما لا يقل عن 90 جنسية تقاتل مع دولة البغدادي».
وأكد إيريك أن الجنسيات الغربية الموجودة في تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» أكبر بكثير من الجنسيات العربية، كالمغرب وتونس والجزائر وغيرها من بلدان شمال إفريقيا، فهؤلاء لا يمثلون سوى 40 في المائة من جيش «داعش».
مواقف غربية غذت التطرف
حواص صينغر، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية بمدينة ليون الفرنسية، حاول، من جهته، الوقوف عند الظاهرة الإسلامية، وبعض المفاهيم المرتبطة بها، وكيف تعامل الغرب معها، وذلك من أجل فهم ما يجري الآن من تطورات، وبروز بعض التيارات المتطرفة مثل «داعش» التي تحمل مفهوما خاطئا عن الجهاد.
يقول صينغر إن المشكل الكبير الذي تعانيه العديد من الدراسات الغربية التي تطرقت إلى ظاهرة الحركات الإسلامية، أنها تنهل من موروث غربي قديم، مرتبط بالعلاقات بين السياسي والديني، بين الزمني والروحي، «وهذا مُعطى نظري يُغذي بعض الأوهام والتخيلات الغربية بخصوص التعامل مع الظاهرة»، يضيف صينغر.
وتزيد هذه الصورة تعقيدا مواقف بعض الإسلاميين من الدين نفسه (الإسلام)، إذ تساهم في تغذية هذه التخيلات، خاصة مع إصرار هؤلاء على إحداث قطيعة مع التعبيرات الأخلاقية والروحية للإسلام.
ويؤكد الباحث أن صعود أسهم الإسلام السياسي مرتبط على الخصوص بالسلطوية العربية، دون أن يحول ذلك دون سقوط هذه الحركات في تقليد هذه السلطوية، مستشهدا بما وقع في السودان وإيران، وحالات أخرى للتعاون والتواطؤ مع هذه السلطوية.
وفي سياق حديثه عن الإسلام السياسي، توقف صينغر عند التوظيف الإيديولوجي للعبة الديمقراطية، من طرف بعض الإسلاميين، وقال: «يجب أن نتأمل بعض الأقلام الإخوانية والسلفية والجهادية في حروب ومعارك على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب عدم حسم ثنائيات دولة الخلافة-الدولة الوطنية، الشورى-الديمقراطية، وغيرها من الثنائيات التي تجعل المتتبع يأخذ بعين الاعتبار أهمية التفريق بين الدين والتدين».
ودعا صينغر إلى التفريق بين هذه المفاهيم من أجل سحب البساط من المشاريع التي تريد «اختطاف الإسلام» من أهله، سواء كانت ترفع شعار «الإسلام هو الحل»، أو «العلمانية هي الحل»، وغيرها من الشعارات الإيديولوجية التي لا تمثل إلا نفسها.
وتحدث الباحث أيضا عن بعض المواقف الغربية التي ساهمت أيضا في تغذية التطرف، وضرب المثل بمعتقل غوانتنامو الذي مازال مفتوحا بينما كان الرئيس الأمريكي وعد بإغلاقه بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية.
المقاتلون في داعش أربعة أصناف
«كيف يمكن إيقاف هذا النزيف؟» يتساءل إيلي حاتم، المحامي والحقوقي الفرنسي من أصول لبنانية، وهو يتحدث عن تنظيم الدولة الإسلامية، ويضيف: «داعش مرض سرطاني خبيث يجب أن يوضع له حد».
«تنظيم داعش استطاع استقطاب أربعة أصناف من الناس»، يقول المحامي الفرنسي؛ الصنف الأول يتمثل في أشخاص لا يعرفون معنى الجهاد، ولا حتى لهم دراية بالإسلام وحقيقته، وهؤلاء وظيفتهم ومهمتهم هي القتل.
الصنف الثاني، حسب إيلي حاتم، هم مرضى نفسيون، وهؤلاء إذا وجهت إليهم التحية فلن يردوها، وينظرون إلى الناس بنوع من الاحتقار.
أما الصنف الثالث، فهؤلاء يتحدرون من طبقة اجتماعية فقيرة وهشة، حيث تسهل عملية استقطابهم، وأغلبيتهم من الشباب، والصنف الرابع والأخير، حسب المحامي والحقوقي، هم أشخاص لديهم تخلف ذهني وتأخر عقلي، وهؤلاء من السهل الزج بهم في مثل هذه المعارك.
واعتبر المحامي أن ما يوصف بالإسلام السياسي هو الذي أفرز مثل هذه الظواهر السرطانية في المجتمع، ويرى حاتم أن ما يقع الآن هو وليد سياسات وحسابات كبيرة بين الدول البترولية والغربية.
وانتقذ المحامي اللبناني السياسات الخليجية وتدخلها في سوريا، وقال إنها هي التي قوت هذا التنظيم المتطرف، الذي يهدد كل البلاد العربية والإسلامية.
واكتفى حاتم بتشخيص حالة «داعش» لكن دون أن يقدم أفكارا ومقترحات من أجل وضع حد لما وصفه بالورم السرطاني.