20 فبراير..من الحلم إلى الانكسار

21 فبراير 2015 - 15:53

 

في البدء كان هنالك شعار؛ إسقاط الفساد والاستبداد. كانت هناك في 2011 حلقة صغيرة العدد من الشبان الحالمين المفعمين بالحماس. في 20 فبراير، وكما لم يحدث من قبل في المغرب، خرج ألوف من الناس في مظاهرات في نحو 60 مدينة، وسرعان ما شرعوا في حصد النتائج، فقد تعهد الملك محمد السادس في 9 مارس بمراجعة الدستور، ثم أجريت انتخابات مبكرة بعدما حل الملك البرلمان ورحلت حكومة عباس الفاسي قبل عام من انتهاء ولايتها، وفاز الإسلاميون بالانتخابات، وأصبح حزب العدالة والتنمية يقود الحكومة. في عام واحد، بعد 20 فبراير، تحقق كل هذا، لكن ماذا حدث للحراك نفسه؛ لقد اضمحل تدريجيا. وبعد أربع سنوات من ولادة الحركة، يعيد الناشطون تذكر أحلامهم، ويستعيدون صور الحراك كلما أصيبت طموحاتهم بالانكسار.

الخروج العظيم!

في 27 يناير 2011، تجمع نحو ثلاثين ناشطا، تتراوح أعمارهم بين 19 و27 عاما، في صفحة على «الفايسبوك» سميت «حركة حرية وديمقراطية الآن». وفي الواقع، لم يكن أولئك الشباب يفكرون في تسمية أنفسهم باسم حركة 20 فبراير، ولم يكن لتلك الحركة أي وجود واقعي، لكنها سرعان ما ضمت نحو 25 ألف شخص. وعلى كل حال، كان على النواة الصلبة لهذه العملية أن تخرج للعلن لكي يتعرف عليها الناس، وقبيل ذلك، قررت صحف ووسائل إعلام الشروع في تخويف الناس من أولئك الشباب. كان مألوفا أن تصدر وقتها –ما بين 27 يناير و20 فبراير- عناوين عريضة لتنفير الناس من الشباب الواقفين وراء دعوات الاحتجاج، وسُربت مضامين محادثات خاصة على «الفايسبوك» بين ناشطين لترسيخ فكرة أن هؤلاء يجب الحذر منهم، وتعرض ناشطون للكثير من الاتهامات، كالقول بأنهم شواذ، أو إباحيون، كما قيل إن مخابرات أجنبية تحثهم على الاحتجاج، وإن لهم صلات بجبهة البوليساريو. وقد صدق البعض تلك الإشاعات؛ وبدأت الأوضاع تسوء عندما خرج فجأة، ودون مقدمات، ناشطون ممن أطلقوا «حرية وديمقراطية الآن»، كي يعلنوا يوم 19 فبراير أن القضية قد سُرقت، واحتفى الإعلام الرسمي كثيرا بذلك، وأُلغيت دعوة الاحتجاج يوم 20 فبراير، لكن أغلب الناشطين بدوا متمسكين بالخروج. وقد خرج نحو 70 ألف شخص في مظاهرات يوم 20 فبراير، كما أعلنت وزارة الداخلية آنذاك، بالرغم من أن الناشطين كانت أرقامهم أكبر، وكان أن وقعت أحداث عنف في بعض المظاهرات، لكنها أظهرت أن الناس قد تخلصوا من القيود. حسني المخلص، وهو واحد من ناشطي مدينة الدار البيضاء، لم يلتحق بحركة 20 فبراير سوى يومين قبل أن يخرج الناس إلى الشارع، يقول: «صادفت على الفايسبوك إعلانا في صفحة تسمى تنسيقية الدار البيضاء لجمع عام بمقر الحزب الاشتراكي الموحد، وذهبت فأصبحت واحدا منهم». ولم يكن الحزب الاشتراكي الموحد سوى واحد من الهيئات السياسية القليلة التي سمحت لهؤلاء الشبان باستغلال مقراتها لحشد الناس للاحتجاج، بل وأيدت مطالبهم، وكما وجد الناشطون في الدار البيضاء ملجأ لهم في مقر هذا الحزب، كانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قد حولت مقرها الرئيس في الرباط إلى ثكنة خاصة بالمناضلين الساعين إلى حشد الناس، ومن ذلك المقر أعلن الناشطون تأسيس أول تنسيقية محلية لهم، في 8 فبراير، ثم عقدوا هنالك، بعد عشرة أيام، ندوة صحفية لإعلان خططهم.

شباب قابلون للتصنيف

ظل الناشطون الشباب المتحمسون، وهم يحصدون النتائج الفورية لمطالبهم، كتلة بشرية غامضة لدى الناس، وموضع تحذير مستمر من لدن جزء من الطبقة السياسية. حمزة محفوظ كان واحدا منهم، وكما يروي لنا، فقد لقي رفاقا متحمسين في مقهى، وكانوا قليلي العدد، وشرعوا في التحضير لـ20 فبراير. على مدى عام، كان الناشطون يحاولون اكتساب موطئ قدم في الشوارع، لكن أفضل ما حدث لهم كان هو خطاب الملك في 9 مارس، فقد وضع دستورا قاطعه الناشطون، لكنه أُقر بنسبة تصويت عالية، ثم أجريت الانتخابات البرلمانية، وقاطعها أيضا الناشطون، مثلهم في ذلك مثل الهيئات السياسية التي كانت تدعمهم، لكنها أفرزت فوز الإسلاميين الذين كان موقفهم متذبذبا من حركة 20 فبراير. وسرعان ما فتر عزم الناشطين، وانهارت المظاهرات، وسحبت جماعة العدل والإحسان، في دجنبر من ذلك العام، أتباعها من الشارع، وشيئا فشيئا، أصيبت 20 فبراير بالاضمحلال.

تصف غزلان بنعمر، وهي واحدة من الوجوه البارزة لحركة 20 فبراير، شبان الحراك قائلة: «عرفتهم أناسا حالمين حد الطوباوية، وطيبين حد السذاجة، وطموحين حد الغلو، وهم أيضا عاشقون للوطن حد الوله، حتى إن لم يكن الوطن دائما رحيما بهم». كانت بنعمر تدرس وقتها في إحدى مدارس المهندسين بالرباط، وكانت تهيئ لدبلوم التخرج، وكانت خطتها أن ترحل إلى كندا كي تتابع دراستها في السلك الثالث، لكنها لم تحقق شيئا من ذلك: «بعدما خفت الحراك، وجدت نفسي قد فصلت من مدرستي دون سابق إنذار، لكني عدت وواجهت القرار بشدة، حتى عدت إلى مقعدي الدراسي، وبالرغم من ضياع عام من حياتي، فقد حصلت على دبلوم التخرج، وأعمل اليوم محللة مالية في شركة بالدار البيضاء». تعمل بنعمر في شركة «ريشبوند» لمالكها كريم التازي، وهو واحد من رجال الأعمال القليلين الذين كان لديهم تأييد علني لحراك 20 فبراير، وقد دفع ثمن موقفه ذلك، وخضع لمراجعة ضريبية على نحو فجائي شهورا قليلة بعد شهر فبراير. كان هنالك رجال أعمال آخرون مثل ميلود الشعبي، مالك مجموعة «يينا هولدينغ»، الذي تعرض بدوره لحملات ضد شركاته ومشاريعه بسبب موقفه السياسي وقتها.

وليست غزلان بنعمر من فقدت جزءا من أحلامها بسبب الحراك. محمد الدواس، وهو ناشط في الفنيدق، قضى عامين في السجن عقب الحراك بسبب تهم مرتبطة بالاتجار في المخدرات، وهو يحكي لنا عن مشاعره بعد خفوت الحراك: «حتى وإن كنت أعيش حياتي بطريقة عادية، إلا أني أحس بخيبة الأمل. لقد تبخرت أحلامي في الحراك، وكان بودي أن أرى شيئا يتحقق بعد صعود الإسلاميين، لكني لم أر شيئا. ربما تعرضنا جميعا لعملية نصب كبيرة، ومع ذلك، لن أقول إن السجن لين موقفي. كلا، مازلت كما كنت في 2011». وتحولت تهمة الاتجار في المخدرات إلى صك روتيني يوجه ضد الناشطين المنفلتين في الحراك، وكما أحصت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فهنالك على الأقل عشرة ناشطين ألقي بهم في السجن بسبب التهمة نفسها. حمزة المتقى، وهو ناشط من بني ملال، قضى فترة في السجن بدوره، لكنه لا يشعر بالقنوط، ويقول لنا: «لا أعرف ماذا كنت سأفعل لو سجنت من دون أن أكون ناشطا في 20 فبراير. لقد خرجت من السجن أكثر قوة، وها أنا الآن أتابع دراستي في المدرسة العليا للتكنولوجيا.. مازلت مؤمنا بحلم التغيير، ولا أجد نفسي سوى ملتصق بشعار 20 فبراير ولن أتخلى عنه».

متاعب متلاحقة

وحتى من لم يتعرض لعقوبة السجن، لقي بعض المتاعب الأخرى، ويشعر بعض الناشطون بالإنهاك بسبب ذلك. ويقول حمزة محفوظ: «بعد أربع سنوات، أحس بأنني استنزفت مجهودي كاملا. كانت السنتان الأوليان رائعتين، لكني تعرضت للإنهاك في العام الثالث، ولست وحدي في ذلك، بل كثير من رفاقي الذين شاركتهم الحراك». في العام الثالث بعد حراك 20 فبراير، أطلق محفوظ حملة واسعة ضد العفو الملكي عن مغتصب الأطفال الإسباني «كالفان»، كما حشد حملات ضد حفل الولاء، وفي كل مرة، يعتقد محفوظ أن النتائج المحققة «كانت جيدة». لكن وقت دفع الثمن حل بالنسبة إليه، وبالرغم من تعرضه للضرب في مظاهرات 2011، إلا أن أسوأ ما حدث له كان في العام الرابع، وكما يروي هو قصته: «لم أعد أذكر عدد المرات التي تعرضت فيها للعنف الجسدي، وكم من مرة قالوا عنا إننا عملاء للخارج، زد على ذلك المضايقات المستمرة في الحياة اليومية. هل يعقل أن يقع لنا كل هذا فقط لأننا طالبنا بملكية برلمانية غير منقوصة، وبفصل حقيقي بين السلطة وبين الثروة؟». تعرض محفوظ لعملية تشويه وتشنيع كبيرة، فقد قيل عبر عناوين صحفية إنه عميل للجزائر، ثم قيل إنه مخبر لصالح الأمريكيين ثم الفرنسيين وحتى الإسبان، قبل أن تلصق به التهمة التي وجهت إلى رفقائه، وهي العمالة للبوليساريو. وقد كتبت صحيفة لم تعد تصدر أن محفوظ «ليس مغربيا».

هنالك من لا يصبر عادة على ثقل هذه الاتهامات، وبعض الناشطين يشعرون فعلا بالتعب. حسني المخلص يقول: «أدركت أننا نستنزف طاقتنا وقدرتنا، ونحن نكرر الممارسات الاحتجاجية نفسها كل مرة. كان الواقع يتغير من حولنا بشكل سريع. لقد شعرتُ بالتعب، وكان تحليلنا للأمور لا يتزحزح سنتيمترا عن موضعه. كانت هناك رؤية ثنائية للأشياء، وكُنا ننظر إلى القضايا من منظور يقتصر على اللونين الأبيض والأسود. لقد تعبت من هذا، لقد ضاق المنطق عندنا حتى أصبحت مساحة القبول بالاختلاف في الرأي تصغر أكثر فأكثر.. لقد تركت جمل 20 فبراير بما حمل، وصفقت الباب من ورائي».

يطرح المخلص هنا مشكلة رئيسة داخل حركة 20 فبراير، وكانت من الأسباب الجوهرية لاضمحلال الحراك. يقول المخلص: «علمتني 20 فبراير أن اللحظة التاريخية كانت أكبر وهم باعه لنا الربيع. كنا نريد أن نسمع صوتنا للشعب، لكن هل كان الشعب يريد ذلك؟».

أمين شولادي كان هو الإطار الشاب الذي قدمته جماعة العدل والإحسان في الدار البيضاء لقيادة شبابها المشارك في حراك 20 فبراير، يحاول أن يقدم ما يعتقد أنه كان اختلالا في الحراك، قائلا: «قررنا الانسحاب من الحراك في 18 دجنبر 2012، وكان ذلك مؤشرا على ضرورة التقويم، خصوصا أن أطرافا من داخل الحركة لم تفصل بينها وبين تصوراتها الفكرية ومنطلقاتها الإيديولوجية، وشيئا فشيئا، شرعت بانحراف الحركة عن أهدافها الكبرى. ومع ذلك، كانت مستويات التعبئة أقل مما هو مطلوب، ناهيك عن خطة الدولة في قمع الناشطين».

العطب الداخلي

وبالرغم من أن كوادر جماعة العدل والإحسان لم يستسيغوا رغبة هيئات سياسية أخرى في التأثير على خطط حركة 20 فبراير، فإنهم يحتفظون بعلاقات جيدة مع يساريين شاركوا في الحراك. سعيد غدى، وهو ناشط يساري في بني ملال، قال إن كل ما حدث في فترة الاضمحلال لم يؤثر على جودة العلاقات بينه وبين الإسلاميين. «لقد غادروا الشارع مبكرا، لكني أحتفظ بعلاقات طيبة معهم، ورغم أننا نختلف في بعض الرؤى لكن المشترك بيننا أعمق وأكبر، وليس بمقدور نشيد أو شعار أن يكون سببا للتفريق بيننا».

لكن ليست كل انتقادات كوادر العدل والإحسان لحراك 20 فبراير مسلما بها من لدن الناشطين اليساريين. عبد الحميد أمين، وهو واحد من الفاعلين الأساسيين في قوى دعم حركة 20 فبراير (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان)، لا ينظر إلى الانسحاب المفاجئ لجماعة العدل والإحسان سوى كسبب هامشي في اضمحلال الحركة، بالرغم من أن الرجل مازال مقتنعا بأن روح 20 فبراير «لا يمكن أن يزهقها أحد»، ويرى أن حركة 20 فبراير نفسها حملت بعض أعطابها، وجرى استغلال ذلك من لدن خصوم الحراك. «كان بين القوى الديمقراطية في الحراك خلاف حول الشعار المركزي، وكنا أمام شعارات مختلفة بين إسقاط النظام أو إسقاط المخزن، أو مطلب الملكية البرلمانية»، لكن القوى الديمقراطية «كانت أضعف من أن تخلق تنسيقا موحدا، بل ساد بينها التنافر، وبعضها غادر الحركة، زد على ذلك الانسحاب المباغت وغير المبرر لجماعة العدل والإحسان من الحراك».

 لم تنجح حركة 20 فبراير، كما يحلل محمد الساسي، وهو مثقف يساري تعاطف كثيرا مع الحراك، لأن أفقها السياسي لم يكن واضحا، ويقول: «عندما تحولت الحركة من العالم الافتراضي إلى الواقعي، اضطرت النواة الأصلية إلى تقديم تنازلات لحشد أكبر عدد من المتظاهرين والمتعاطفين، وكي يظهر الحراك كانعكاس للشعب نفسه».

من لم يناور يخسر!

ويعود عبد الحميد أمين لتحديد مسار الاضمحلال قائلا: «لجأ المخزن أولا إلى القمع المباشر، ثم ناور عبر خطاب 9 مارس، وقد أوحى ذلك للبعض بأن المغرب على وشك التحول إلى بلد ديمقراطي بشكل يفوق ما كانوا يتصورونه، ثم شرع في تنصيب الهيئات الوطنية، وأطلق سراح الكثير من المعتقلين السياسيين، ثم قرر توظيف بضعة آلاف من العاطلين، وزاد في الأجور، وتجاهل المظاهر العشوائية في البنيات الاقتصادية والاجتماعية، ثم أخيرا، حل مجلس النواب، وأعلن تنظيم انتخابات جديدة، وسمح لحزب العدالة والتنمية بأن يفوز». ويظهر أن أمين مقتنع بأن الأمور تطورت بهذه الكيفية إلى أن خبا الحراك. وحتى الساسي، بدوره، ينظر إلى فوز الإسلاميين كنتيجة حتمية للحراك: «من المؤكد أن النظام كان يهيئ ترتيبات سياسية، غير أنه بمجرد خروج الناشطين إلى الشوارع، اضطر إلى تهيئة ترتيبات أخرى، وعلى سبيل المثال، كان وصول الإسلاميين إلى الحكومة قبل 20 فبراير ضربا من الخيال». ويضيف: «وصل الإسلاميون إلى الحكومة بطريقة لا تخرج عن الترتيبات السياسية التقليدية، إذ بعدما فشل التعاقد مع اليسار، فكر النظام أن الأمر قد ينجح مع الإسلاميين».

 ويحلل عبد الحميد أمين أسباب فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات قائلا: «لقد ركب الحزب موجة التغيير، وشارك بعض أعضائه في الحراك، ثم تبنى الشعار المركزي للحراك شعارا لحملته الانتخابية، ولأن الأحزاب اليمينية في تراجع، مثلها في ذلك مثل اليسار الاجتماعي الديمقراطي، فقد نجح الحزب في كسب الانتخابات. ولا تنسوا أن الناس قاطعت بشكل واسع تلك الانتخابات».

ويقدم الساسي تحليلا لفوز الإسلاميين في الانتخابات، قائلا إن بذرة الفشل قد زرعت في فوز الإسلاميين بمجرد وصولهم إلى الحكومة وفق الترتيبات السياسية التقليدية، لأن طريقهم ليس طريق اليسار، فهم يختزلون التغيير في التوافق بين المؤسسة الملكية وبين طرف من المفترض أن يمثل الشعب، أي الحزب نفسه. ولا يختلف ذلك عما حدث لحزب الاتحاد الاشتراكي في 1998، عندما قرر أن يسير في الطريق نفسه. يمكنهم الإحساس ببعض التحسن، لكن كنه الأشياء في النظام السياسي يبقى كما هو، ويحتفظ القرار الاستراتيجي بموقعه في هندسة النظام كما كان حاله دوما».

وإذا كان الساسي قدم تركيبه السببي للأشياء منذ 20 فبراير حتى فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات، فإن مختصين آخرين لا يسيرون في الاتجاه نفسه. عبد الله ساعف، مثلا، الباحث والأستاذ الجامعي في العلوم الاجتماعية، الذي أنجز بحوثا كثيرة عن الحراك المغربي، يعتقد أن إعلان حزب العدالة والتنمية فائزا بغنيمة 20 فبراير تنقصه القاعدة المنهجية، ويقول لنا: «إذا كنا نقرأ الأشياء من الوجهة التقنية فحسب، بإمكاننا، إذن، أن نقول إن حزب العدالة والتنمية مستفيد من الحراك، لأنه كسب الانتخابات التي أجريت عقب الحراك مباشرة، لكن ذلك يبقى جزئيا، وعلينا أن ننتظر بضع سنوات حتى تتضح الصورة وتصير قابلة للتحليل السياسي المنهجي، ونعرف من هو المستفيد الحقيقي، فقد نعلن شخصا فائزا اليوم، وينتكس في اليوم الموالي».

وليس ساعف وحده من لديه بعض التحفظ على تحديد غنيمة البيجيدي من حركة 20 فبراير، وحتى القول بأن فوزهم لم يكن ليتحقق لولا الحراك، لا يقبله من الوجهة المنهجية عالم اجتماع خبير في الحركات الاجتماعية، مثل عبد الرحمان رشيق.

حلم بعيد المنال

يشعر الكثير من الناشطين بالقنوط فعلا وهم يحللون نتائج الحراك، وكما يقول خالد البكاري، فإن ما يحدث حاليا هو «عودتنا إلى مواقعنا ما قبل 20 فبراير. لقد عاد النظام إلى عادته القديمة في التحكم، فيما عدنا نحن إلى موقفنا القديم: الانتظارية القاتلة وقد امتزجت بالإحباط الذي لم ينتج فقط عن نجاح الدولة في الالتفاف على الحراك ومطالبه وممكناته، بل وكذلك عن تواطؤ النخب والقبائل الحزبية ومركبات الريع النقابية في إجهاض مخاض كان يمكن أن يفتح الباب أمام دمقرطة الحياة السياسية»، لكن البكاري يستدرك: «لا تحتاج 20 فبراير إلى حداد قبل دفنها، تلك أوهام المتخرصين، ربما تكون 20 فبراير كأداة قد استنفدت أغراضها، ولكن الروح مستمرة بأشكال أخرى، ويكفي أنها أذابت الجليد بين العلمانيين والإسلاميين». وحتى ساعف لا يرغب في أن يدق المسمار الأخير على نعش 20 فبراير، فهو يدرس تفرعاتها الجديدة، ويعتقد أن الروح مازالت حية: «لا يجب أن نعلن أن 20 فبراير قد انتهت؛ لأن لا أحد سيربح شيئا من ذلك». أما الساسي فيقول: «فكرة الحراك، كما كان، تفرض نفسها بشكل أقوى حاليا، ومن الواضح أن منحى التغيير الذي انتهجه حزب العدالة والتنمية ليس فعالا، كما أن النظام السياسي يسعى إلى العودة إلى زمنه القديم. إن 20 فبراير هي ذلك الإصرار النضالي اليقظ، لأن السلطوية سرعان ما تبحث عن مناطق السيطرة بمجرد أن تزول العاصفة». وعلى كل حال، يرى الساسي أن أهم ما يمكن أن يحسه المرء في هذه الأوقات هو أن «الاستبداد لا يخيف أحدا، وهو ليس قويا كما كنا نتصور قبل 2011.. وذلك شعور بثته 20 فبراير فينا». وتلخص غزلان بنعمر كل شيء في عبارة واحدة: «لو أتيحت لنا فرصة أخرى للانتفاض، فإني، على الأقل، سأكون أكثر حماسا. هذا هو درسي من 20 فبراير».

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي