إن اللحظة التاريخية تتشابه، فكما وصف العروي في حوار سابق كيف استوعب الحسن الثاني أهمية إمارة المؤمنين شيئا فشيئا، وقبل في نهاية المطاف حل إمارة المؤمنين المقترح في حينه، رغم الإشكاليات الدينية التي يطرحها، فإنه أقدم على ذلك لوقف زيغان آخر كانت تمثله الخلافة المساندة من طرف علال الفاسي وعبد الله كنون، وهو المقترح الذي كان سيخلق مصاعب مستعصية الحل داخليا وخارجيا.
في «خواطر الصباح»، يستدعي العروي هذه العلاقة بين مقترح الحركة الوطنية ممثلة في علال الفاسي وكنون في الأمس القريب، ليتوقع استعمال الملك الشاب للإمامة على الشكل التالي (ص11): «.. سيلغي دور الحركة الوطنية يقدر ما يزيد التركيز على الإمامة بصفتها النظام الحق للمغرب. لا يستبعد أن تصبح عقيدة الملك الجديد بسبب صغر سنه وتكوينه القانوني. سيقال له إنها تكون السند القوي ضد الدعاية الإسلامية التي أصبحت في العمق جمهورية وضد الدعاية الديمقراطية العصرية. لا ملكية شرعية وراثية قوية بدون إمامة، وإلا فقد الحاكم قسما من سلطته».
إن الإمامة تبرز، في خواطر العروي، عائقا نحو الانتقال إلى الدولة العصرية أو الحديثة، ثم كيف يمكن أن تتجاور الإمامة والدستور الحديث؟ ولذلك لا بد أن يكون الملك واضحا تجاهها. يكتب العروي (في ص13): «لا بد إذن من حسم، ولا يستطيع ذلك إلا الملك نفسه، بتطبيق الدستور في مبناه ومعناه. عندها كل شيء، حتى المخزن، حتى البيعة، يؤول داخل النظام الدستوري، في حين أن الدستور اليوم هو الذي يؤول اليوم في إطار البيعة التقليدية».
ويفسر المفكر الملاحظ لماذا يجب أن يحصل هذا الحسم، قائلا في الصفحة نفسها (13): «مثلا لا يمكن أن تتساكن إمامة المؤمنين ورقابة العلماء. في التأويل الدستوري دور الرقابة موكول إلى الملك، فيصبح لهذا الأخير وظيف محدد مستقل عن الإدارة والسياسة اليومية. والعلماء موظفون لإقامة الشعائر».
يعود العروي إلى موضوع إمارة المؤمنين في أكثر من موقع، إنه يربطها بالبيعة كما سلف القول، وعند حادثة توجيه شيخ جماعة العدل والإحسان، الراحل عبد السلام ياسين، رسالته الشهيرة إلى الملك، عاما بعد توليه الحكم، يعلق العروي على شكل ومضمون الرسالة، متهما ياسين باستغلال إمارة المؤمنين لأنها المدخل الوحيد أمامه مادام لا يعترف بالدستور ولا قناة للتواصل سوى الإسلام.. نقرأ في الصفحة 26: «يتكلم عن الإسلام لأنه يمثل الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من مخاطبة صاحب الأمر مباشرة خارج القنوات الدستورية. كما لو قال: ‘‘إن الدستور لا يجدي. أنا أخاطب أمير المؤمنين ولكي يتأتى لي ذلك لا بد من أن أعتمد مرجعية إسلامية’’. الموقف الصحيح هو إذاً أن تعتبر الرسالة إجراء فرديا لا يهم الحكومة أو الأحزاب أو المثقفين، إلا أن الجميع يتحاشون ذلك حتى لا يقال إنهم يدفعون الملك إلى الواجهة، في حين أنه يحتاج إلى ستر وحماية».
بعد ذلك بسنتين تقريبا، في يناير 2002، سيعرج العروي على الموضوع نفسه ولو بشكل عابر، معلقا على مقالات مطولة نشرتها مجلة «جون أفريك» حول الأمير هشام بن عبد الله تحت عنوان: «الرجل الذي ود لو يكون ملكا»، فينعته بعدم فهم آليات إمارة المؤمنين والإمامة والبيعة، فكتب (ص63): «هل حلم هشام فعلا باعتلاء العرش؟ المؤكد أنه لم يفهم منطق السياسة الحسنية. لم يعرف معنى البيعة المغربية. لا علاقة لها بما يجري في المشرق. إنها مسألة خاصة بالقصر، ولا يطلب من العلماء إلا التزكية. ثم حسمت القضية دستوريا، وإذا كان لأحد الحق في مناقشة بنود الدستور فليس هو».