كيف تصبح مشرِّعا في خمسة أيام!

03 مارس 2015 - 22:14

أشكر الله عز وجل على ما حقق لي، فقد أسعدني زماني ورأيت بأم عيني المشرع المغربي دَمَا ولحْمًا وَشَحْمًا، بِقَمِيصِهِ وَربْطَةُ عنقه وحذائه اللامع، وقد تبادر إلى ذهني حينها ذلك المتقاضي الذي غضب من حكم قضائي أصدرته زمنا، ولم يَقْتَنِع لما قلت له إن المشرع هو من اقتضى ذلك، فاستحْلَفَنِي بكل عزيز عليَّ أن أُحَدِّدَ له موعداً مع المشرع، فأومأت ـ من باب الدّعابة ـ إلى مكتب زميلي القاضي قائلا: «هذا هو مكانه»، وقد غَفَر لِي زميلي دعَابتي بعدما حكى المشادة المجَّانِية التي خاضها ضِدَّهُ متقاض أمِّي.

ومن باب الاقْتراح أن يُضِيفَ السيد الوزير الأول الأستاذ عبدالإله بنكيران إلى المادة الثانية من مسطرة التعيين في المناصب العليا إلى جانب الكُتَّابِ العامين والمديرين والمفتشين والمسؤولين عن المؤسسات العمومية ـ مَنْصِبَ المشرع !!

لِم لا، فالرجل الذي أمامي زرع الروح في الشخص المعنوي  الذهني الذي هو السلطة التشريعية أو المشرع، إلى شخص طبيعي مثل المعلم والطبيب والقاضي والميكانيكي والنَّجار وهلم جرا!!

بل إنه شخصيا لم يدرك هذه الوظيفة إلا بعدما مرّ من وظائف أخرى وهو ما فتح الله عليه به، وهذا ما يذكرني بالمثل المِصْرِي السّائر: «الفَاضِي يَعْمَل قَاضِي»، فالذي لا شغل له يُنَصِّبُ نفسه حَكَمًا بين الناس، أو مشرّعا، وقد طبقنا هذا المثل المِصْري عِندمَا كُنَّا أطْفَالاً، ونَصّبنَا من يملك كرة القدم ولا يُجِيدُ اللعبة حكما بينَنَا، فَشَعَر بالزهو وأَصْدَرَ  أوامِرَهُ ونواهيه فِينَا وأذْعَنَّا لها حتى لا يحرمنا من كُرَتِهِ.

وحملني الخيال بدون استئذان إلى هذه الجماعات من الناس التي تتفِقُ في ما بينها على إنشاء حزب، بصرف النظر عن المستوى الدراسي والفكري لأصحابه، لتنْفُذَ من خلاله إلى معترك المسؤولية فبدت لي كفيضان النَّهْرِ الذي يجرف معه إلى اليابسة السمك والأخشاب والماشية والأكواخ دونَمَا تحديد.

يَقول صاحبي النائب البرلماني: إنه يطرح السؤال الشفوي لأكثر من مرة، وبأسلوب بسيط جدا، ويستحلف السائل أن يحفظه ويتَهَجَّاهُ بِمَنْزِلِه عن ظهر قلب، وأحيانا يعتذر السائل لعدم القدرة على المواجهة أو الكلام، وشبيه بهذا الذي حكاه صاحبي، نازلة ذلك الذي أدلى بشهادة مدرسية مُزَوَّرَة لولوج انتخابات معينة، فصرفْنَا النظر عن كل الخِبْرَاتِ الخطِّيَّةِ المأمور بها، وعرضنا على المتهم صفحة من كتاب يقرأها جهارا أمَامَنَا فاكتشفنا أنه أُمِيّ لا يفقه شيئا وأن الشهادة مزورة فعلاً!!

لئن كان يهون حال الأمِّي الذي لا يقرأ ولا يكتب، فإن أخطر الأمية تلك التي تتملك عقول المتعلمين، وهي آفة اسْتَشْرَت ولازالت في وسطنا.

رحم الله الفقيه عبد الرزاق السنهوري، كان يَرْحَل برجال القانون إلى شواطئ البحر الأحمر لكتابة مشاريع القوانين ثُمَّ يهمس في أذَانِهِمْ قائلا: «إن صفاء الذهن، وراحة البال تُيَسِّرُ اللغة، فتأتي القاعدة القانونية سلسة سهلة على الفهم، القوانين باسم جِهَة التشريع لا باسم الفقيه السنهوري»!!

ـ ليس المشرع قاضيا يوقع الأحكام باسمه.

ـ ليس المشرع طبيبا يَفْحَصُ المَرْضى ويعطي الشواهد الطبية.

ـ ليس المشرع مهندسا ولا أستاذا.

ـ ليس المشرع تاجرا أو عَامِلاً.

المشرع شخص معنوي ذِهْنِي، سلطة تقرأ مشاريع القوانين والمقترحات، المعدة من جهة الاختصاص: صِحَة عدلا كانت أو هندسةً أو تعليماً.

استنساخ المشرع من شخص معنوي إلى شخص طبيعي ينذر عن سُوء فهم لهذه السلطة، ولعلي بالفقيه الدستوري عبد الرحمن القادري سينتفضُ من قَبْرِهِ لو بلغ إلى علمه أننا اخْتَلقْنَا مَنْصباً سامياً لشخص طبيعي اسمه المشرع، لو جَاز هَذا الفهم لأصبحنا كلنا مُشَرِّعينَ في خمسة أيام، فنحن بدون ملكة الإنصات لبعضنا البعض نزَجَّ بِأنْفُسِنَا في حمأة المهاترات والكلام الفَارغِ.

خلا الجو للسُّفسْطائيين، على أن ما يشفع للمشرع المغربي الآدمي كي يقول ما يشاء، هو هذا الفراغ المهول الذي نعيشه، فالمتقاضي الذي يعتقد أن المشرع رجلا، والنيابة العامة امرأة، ويسمي كاتب الضَّبْطِ بالكاتب الضَّبْ، ويحدث ضجة غير مسبوقة، عندما نُطَمئنُهُ على قَضِيَّته قائلين: «إن مِلفكَ بين يَدَيْ أمينة»، يصرخ قائلا: «لا.. لا أريد أن تَحْكُمَ قضيتي السيدة أمينة، فأنا أَعْرِفُهَا جيداً».

مثل هذه الفئة من المتقاضين، يمكن اعتلاء منبر الخطابة باسم المشرع المغربي الآدمي لمخاطبتها. مِثْلَمَا فَعَل جُحَا عِنْدَمَا اعْتَلَى المِنْبَرَ قائِلاً: «يَا أيّهَا النّاس هل تَعْلَمُونَ»، فأجَابُوه: «لا يا فقيه»، فغادرهم محتجا: «تعالوا إليّ لمّا تَعلمُون»، ثم خاطبهم في الجمعة المقبلة: «هل تَعلمون»؟ فقالوا: «نعم يا فقيه»، فقال: «مَادُمْتُم كَذلك، فلاَ حَاجَة لكُم بي». فاقتَسموا بينهم، نِصف عَالم، ونصفُ غيْر عالم، مجيبين جُحَا بِمَا اتفقوا عليه، فرَّد عليهم: «إذنْ أمْرُكُم بيدِكم، الذين يَعْلَمُون يُعَلِّمون الذين لا يَعْلَمونَ». فكان هذا اجتهادا قارا لمْ يخرج عنه مُشرعنا المغربي الآدمي صبيحة هذا اليوم.

ولله في خلقه شؤون.

رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

anas hmina منذ 6 سنوات

Un article agréable a lire, qui fait bien rire tout en ayant un sens profond, Merci pour vos mots

التالي