السرقة الأدبية في زمن تقنية النسخ واللصق

04 مارس 2015 - 23:55

 إعداد: وداد الملحاف 

بقدر ما أتاح الويب إمكانية الحصول على معلومات غزيرة، وفتح الآفاق أمام الباحثين عن المعلومة من أجل الاطلاع على مختلف المنشورات التي تشمل مجال بحثهم، أصبح وسيلة تكشف سريعا السرقات الأدبية بفضل محركات البحث وبرامج خاصة، وأصبح، بالتالي، سلاحا ذا حدين. وقد تطرق المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا إلى هذا الموضوع بنشره مقالا يتناول مختلف الجوانب التي تحيط بالسرقة الأدبية في مجال البحث العلمي.

مع ظهور الأنترنت، أصبحت عملية إيجاد المعلومات ونسخها شبيهة بلعبة الأطفال، إذ لا تقتصر العواقب السلبية على الضحية التي تم تنفيذ السرقة الأدبية في حق أعمالها، فهذا النوع من التزوير العلمي الكبير يقوم كذلك بتعزيز الجمود والخمول، ويشكل إساءة إلى كل الباحثين والبحث العلمي بصفة عامة.

السرقة الأدبية والأنترنت

إذا ما عدنا إلى التعريف الأصلي للسرقة الأدبية يمكن القول إنها تعني الاستيلاء على محتوى ما، سواء كان فكرة أم نصا أم صورا أم جداول أم رسوما بيانية… دون نسبها إلى صاحبها، وقد يكون ذلك إما ناتجا عن إهمال بسيط أو قد يتجاوزه ليصبح خيانة للأمانة العلمية عن سبق إصرار وترصد، والتي تمارس في أشكال عديدة، بدءا من السرقة الأدبية الذاتية وهي الأكثر انتشارا، والتي لا تؤثر عواقبها على المؤلف فقط، وصولا إلى السرقة الأدبية التي تتعلق بالاحتيال الذي لا يقل خطورة عن تزوير البيانات. وفي الوقت الذي تشجع فيه التكنولوجيا الحديثة على القيام بهذه الممارسات، فهي تقوم كذلك بمحاربتها؛ فمن جهة، يوفر الأنترنت كمية كبيرة من البيانات سهلة النسخ، لكن من جهة أخرى يوفر برامج لمكافحة السرقة الأدبية التي بدأت تتوفر لدى العديد من المؤسسات ودور النشر، والتي ترصد أكثر حالات التزوير خطورة، لكنها تبقى عاجزة عن رصد كل السرقات لوجود احتمال كبير للخطأ في هذه البرامج، خصوصا عند الإفراط في استخدام المرادفات، والقيام بإعادة صياغة الأفكار، ونقل فقرات بطريقة مغايرة دون الإشارة إلى المصادر.

المصادفات المذهلة

هناك حالة خطيرة وحديثة للسرقة الأدبية، تتعلق بقضية Forget/Pangou التي ذكرها كتاب «Predatory Publishers and Plagiarism Prevention»، إذ وجد الباحث الهولندي، باتريك جانسن، الذي كان قد توصل بمخطوط من أجل تقييمه، أنه مألوف لديه، ليكتشف أنه يطابق بنسبة 90% مقالا كان قد كتبه سنة 2007 بمعية بيير ميشال فروكيت، وهو أستاذ بالمتحف الوطني لتاريخ الطبيعة ومتخصص في النظم الإيكولوجية للغابات الاستوائية. ويصف المقال الأصلي كيف يؤدي صيد الكائنات التي تتغذى على الفواكه الطازجة إلى تشتت بذور شجرة أمازونية. ويقوم السارق بذكر منطقة أخرى وشجرة أخرى لكنه يستعمل العبارات نفسها وكذلك الكلمات والآليات والرسوم البيانية ذاتها وكذلك الجداول الداعمة لطرحه، دون إشارة بسيطة إلى المصدر. إذن، يقوم السارق هنا بتزوير خطير للمعطيات. بعد هذا الفعل الشنيع اتضح أن الكاتب السارق قام في السنوات الماضية بنشر مقالات باعتماد أسلوب تزوير المعطيات، لتتعرض كل منشوراته الكاذبة للسحب والحذف.

الحماية السيئة للسرقة الأدبية

القيام بعملية نسخ-لصق بسيطة دون ذكر المصدر الأصلي هو أفدح عمليات السرقة الأدبية، فسرقة الفكرة يمكن أجرأتها بطريقة احتيالية، خصوصا إذا كان المصدر غير متاح للعموم، كمشاريع الأبحاث المعروضة على أنظار لجنة محدودة العدد، ونتائج دراسة لم يتم الإعلان عنها لكن تمت مناقشتها في مؤتمر أو ندوة غير رسمية… وتعود أشهر فضيحة تخص هذا النوع من السرقات إلى سنة 1953، ففي مقال لكل من جيمس واتسون وفرانسيس كريك، يقوم هذان الأخيران بكشف التركيبة الحلزونية المزدوجة للحمض النووي ADN التي كان قد حصل عليها روزاليند فرانكلين بانكسار الأشعة السينية X، والتي تم استخدامها دون علمه ودون ذكره كمصدر. سيحصل بعدها كل من جيمس واتسون وفرانسيس كريك على جائزة نوبل في الطب سنة 1962، في حين أن فرانكلين كان قد توفي، ولم يتم ذكر مساهمته أو اكتشاف الأمر إلا من طرف موريس ويلكينس، وهو العالم الثالث الحاصل على جائزة نوبل في الطب تلك السنة.

المسؤولية الفردية والجماعية

من بين المشاكل في هذا المجال أن السرقة الأدبية غير منصوص عليها في قوانين الملكية الفكرية، والمثير للاستغراب أن القضاء الفرنسي يعتمد على السجل التجاري: «يجب أن تصنف السرقة الأدبية كتزييف ليكون هناك عقاب عليها»… وبالتالي، هل ينبغي اختراع قانون جديد؟

يقول الخبيران القانونيان، جونوفيان كوبي وجيل كوكلييلمي، اللذان كتبا مؤلفا جماعيا سنة 2012، في مؤتمر يعود في الأصل إلى الموقع   «http://www.plagiat-recherche.fr/» www.plagiat-recherche.fr : «ليس من السهل القيام بذلك»، ويفضلان أن تكون هناك دعوة إلى تحمل المسؤولية الفردية والجماعية، باعتبار أن الأخلاقيات والسلوكات الحميدة ستكون فعالة أكثر من قوانين يتم إقحامها في القوانين الموجودة حاليا.

إذن، كيف يمكن تقييم الضرر المعنوي الناجم عن السرقة الأدبية في مجال له خصوصيته كالبحث العلمي، وكذا «الجريمة الفكرية» في النصوص القانونية؟

* ترجمة عن موقع المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي