بعد صدور المرسوم التطبيقي للقانون الجديد لمجلس المنافسة، وحصول هذا الأخير على الصلاحيات التقريرية، التي ظل رئيسه عبد العالي بنعمور يطالب بها على مدى ست سنوات، سارع المجلس إلى فتح ملف الامتيازات الضريبية والعقارية والمالية، والمعاملة التفضيلية التي تخصصها الحكومة لبعض القطاعات الصناعية، ووضعها تحت المجهر ومساءلتها من زاوية قواعد المنافسة وقانون السوق، الذي يفترض وضع الجميع على قدم المساواة. بنعمور استضاف، أمس، في قاعة عبد العزيز مزيان بلفقيه، التابعة لمؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم، خبراء أجانب وآخرين مغاربة، لتسليط الضوء على هذه العلاقة المتوترة بين ما يصطلح عليه بالسياسات الصناعية، وبين قواعد المنافسة الحرة.
بنعمور افتتح لقاء، اول أمس، بتذكيره بأن مجلسه يعيش فترة احتفاء بالإطار القانوني الذي بات يحكمه، وبرّر عقد هذه الندوة بكونه ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها في التحسيس، إلا أن «كثيرا من أصحاب القرار عندنا لا يضعون، دائما، أدوارهم وسياساتهم الصناعية داخل إطار اقتصاد السوق، الذي يفترض مبدأ استبعاد أي تدخّل يمس المنطق الذي يحكمه». وأوضح بنعمور أنه وإلى جانب الدور الاجتماعي، الذي تقوم به مجالس المنافسة عبر العالم، والمتمثل في حماية المستهلك، فإن بعض هذه المجالس تذهب أبعد من ذلك وتعتبر تطبيق قواعد المنافسة هدفا في حدّ ذاته باعتبارها قيمة اجتماعية، تكرّس مبدأ الاستحقاق وتستبعد أي ريع غير مبرّر. وبعد استحضاره بعض الاستثناءات التي يتم العمل بها لدعم بعض الفاعلين الاقتصاديين غير القادرين على الصمود والبقاء في غياب الدعم، شدّد رئيس مجلس المنافسة على أن هذه الحالات تتسم بربط هذا الدعم الاستثنائي بأهداف معيّنة يجب تحقيقها وبآجال محددة لا يجب تجاوزها، مقدما مثال البرازيل التي قال إنها عملت خلال فترة معينة بأسلوب الدعم الموجه لبعض القطاعات، ثم قامت بمراجعته ليصبح دعما أفقيا يقدّم لجميع القطاعات الصناعية، فكانت له نتائج أفضل.
المفوّض الأوروبي السابق في موضوع المنافسة، الإسباني خواكين ألوميا، قال إن المنافسة وسيلة وليست هدفا في حد ذاتها، وخلص في مداخلته إلى وجود تكامل بين المنافسة والسياسات الصناعية، عكس التناقض الذي يتصوره البعض. «بدون صناعة قوية لن يتطور الاقتصاد ولن نحقق نموا مرتفعا، الكل يريد صناعة قوية، دون أن يعني ذلك أن جل الإنتاجات الداخلية الخام سيكون مصدرها هو الصناعة، فمساهمة الخدمات ترتفع تدريجيا، لكن يستحيل تصور اقتصاد قوي بدون مساهمة الصناعة»، يقول ألوميا، مضيفا أن سياسة المنافسة ليست متناقضة مع صناعة قوية، «بل هي شرط أساسي لتحقيقها، فالمنافسة تخلق ظروف الإنتاج وتساهم في تطويرها، وتحمي المستهلكين سواء كأفراد أو كفاعلين اقتصاديين من مقاولات صغرى ومتوسطة لا تستطيع لوحدها تحقيق كل أهداف الاقتصاد القوي».
الخبير الأوروبي أوضح أن تدخلات الدولة لدعم الإنتاج الصناعي يجب أن تتركّز على بعض الجوانب الإيجابية، من قبيل إقامة البنيات التحتية التي لا يمكن أن يقيمها القطاع الخاص، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين للرفع من قيمة الرأسمال البشري، وخلق ظروف تمويل كل الانشطة الاقتصادية وخاصة للمقاولات الصغرى. ألوميا عاد ليحذّر من بعض التدخلات السلبية لدعم الدولة، «من قبيل إنقاذ مقاولات غير قابلة للحياة على حساب دافعي الضرائب، فهناك عمليات إنقاذ تكلف الكثير من الأموال ولا تقدم للمجتمع ما يبرر هذه الكُلفة، ثم هناك التفضيلات التي تمنح لصالح قطاعات معينة دون أن يبرر ذلك بفعالية اقتصادية حقيقية وتحميل ذلك لدافعي الضرائب، ما يحرم مبادرات أخرى من الظهور». الدعم العمومي يجب أن يتوجه، حسب خواكين ألوميا، إلى البحث والابتكار، «فالقطاع الخاص لن ينتج البحث الضروري للرفع من الإنتاجية وتقوية الصناعة، بل يجب دعم سياسات تسمح بدخول التكنولوجيات الجديدة إلى السوق، حيث يمكن مثلا توجيه دعم كبير لاستعمال الطاقات المتجددة، كما يجب خلق إطار للابتكار باستعمال نتائج البحث، ورفع الحواجز التي تحول دون دخول هذه الابتكارات إلى السوق، باختصار لا يوجد تعارض، بل هناك تكامل بين المنافسة وبين السياسة الصناعية».
وقدّم رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئة، نزار بركة، وصفة ما يفيد أن المغرب اعتمدها أصلا في سياساته الصناعية. «فقد قمنا في المغرب بتحديد القطاعات التي تقدم قدرات كبيرة للتطور وقررنا التركيز عليها بما يمنح رؤية واضحة للمستثمر من خلال مخططي إقلاع، الأول والثاني، ولم يقتصر الأمر على الدعم الضريبي والعقاري، بل جاء وفق نظرة شاملة تدمج التكوين ودعم البحث والابتكار». بركة، الذي كان إلى وقت قريب وزيرا للاقتصاد والمالية في حكومة بنكيران، قبل أن ينسحب حزب الاستقلال من الأغلبية الحكومية، قدّم ما قال إنه دليل على انتهاج هذا الأسلوب في الدعم، من خلال تحربة شركة «رونو» لصناعة السيارات. «هذه الشركة استقرت في طنجة، حيث شاركت الدولة في إنجاز هذا الاستثمار ووضعت برنامجا للمرافقة، فالدولة هي التي موّلت التكوين الضروري للقيام بهذا الاستثمار، وهذا المشروع أبان عن نجاح كبير رغم أن «رونو» لم تصل بعد إلى سرعتها القصوى، لكن قطاع السيارات أصبح أول مصدّر في البلاد». النموذج الثاني، الذي قدّمه نزار بركة هو صناعة الطيران»، حيث بدأنا بإطلاق معهد متخصص في مهن الطيران، والذي اجتذب العشرات من الشركات المتخصصة وهو ما توج باستقرار شركة «بومبارديي»، التي استفادت من مناخ شامل يقوم على التكوين والمواكبة».