حملت العملية الإرهابية الأخيرة في تونس أكثر من دلالة، وطرحت أكثر من تساؤل عن مستقبل هذا البلد الشقيق، الذي شكّل، بكل المقاييس، نموذجا متميزا بالنسبة إلى كل بلدان ما سُمي «الربيع العربي». فالعملية التي حصدت أرواحا بريئة من جنسيات مختلفة، لم تمس فقط، عُمق الذاكرة الجماعية لتونس، وواحدة من منارات موروثها التاريخي، أي متحف «باردو»، بل طالت، أيضا، مؤسساتها السياسية، واستهدفت جوهريا تجربتها الحديثة في الدّمقرطة، وإعادة تأسيس نظام جمهوري جديد، بقيم وثقافة سياسية جديدة.
ومهما كانت ردود فعل المجتمع التونسي، بنخبه السياسية المتنوعة، ونسيجه المدني، فإن ما حصل يُعيد التفكير في ما يَنتظر تونس من تحديات داخلية، وتعقيدات متصاعدة، نابعة من محيط إقليمي موسوم بالتوتر والعنف، وسياق دولي مُرتبِك، وغير واضح المعالم. والحقيقة أن العملية الإرهابية التي أزهقت أرواح أكثر من عشرين شخصا ـ في مكان يُكثف تاريخ الذاكرة الجماعية التونسية، وعلى مقربة من مؤسسة تمثل الشعب وتعبر عن سيادته، وفي عمق عاصمته وليس في أطرافه ـ تُعطي الدليل على أن الأمر أكثر من عمل متهور، أقدم عليه شباب غُرِّرَ بهم، بعد أن تم استغلال أوضاعهم المعنوية والمادية.. إنه في العمق مُخطط واع ومفكر في أبعاده ومقاصده.. فما الذي استهدفته عملية «باردو»، وإن تعدد افتراضا صُنّاعُها، وتنوعت أطرافُها؟
تُحفز فاجعة العملية الإرهابية الأخيرة على التفكير في جملة من القضايا، أبرزها:
تُثبت القضية الأولى أن ثمة علاقة تلازمية بين الاستقرار الاجتماعي والدّمَقرطة السياسية، وأن الأول يَدعَمُ الثانيةَ ويضمنُ توطيدَها واستمرارَها. فالملاحظ في الحالة التونسية، أن إيقاع سريان عملية الدّمقرطة لم يكن متناغماً مع مطالب ردم الفجوات الاجتماعية، ولا تقديم ضمانات مقنعة، ومُعَّززة بخطوات عملية تُرجع الثقة لدى الناس، والمناطق المتضررة على وجه التحديد، بأن ثمة إرادة واستراتيجية واضحتين لتجاوز الاختلالات الاجتماعية، التي كانت في أصل اندلاع الحِراك التونسي نهاية العام 2010. لهذا السبب تحديدا، تُقنع التجربة التونسية بأن الدّمقرطة السياسية لا تضمن قطعا حصول الاستقرار المجتمعي، وأن الحاجة ماسة إلى ربط الدّمقرطة بالاستقرار الاجتماعي، ولعل هذا من التحديات الكبرى التي واجهت تونس منذ سقوط رأس النظام في 14 يناير 2011، والتي لم تستطع النخبة التونسية، على اختلاف ألوانها السياسية، إيجادَ حلول متوازنة ومُقنِعة لها حتى الآن.
تتعلق القضية الثانية بطبيعة الدّمقرطة الحاصِلة في تونس، والآفاق التي فتحتها، ليس لصناعها في الداخل، بل كذلك لمحيطها الإقليمي، وبالنسبة إلى مستقبل العلاقات التي ستربطها بالعالم. فالمتابع على ما يجري في بلدان الحراك العربي، يلاحظ، دون تردد، أن تونس هي البلد الوحيد الذي تجنّب، بنجاح، خيارَ العنف والاقتتال منذ البداية، وصنع بالحوار والتوافق أهم حلقات انتقاله الديمقراطي، وانطلق نحو توطيد مؤسساته الدستورية. لذلك ـ وإن كنت من غير المقتنعين كثيرا بنظرية المؤامرة ـ يبدو أن الدمقرطة الحاصلة في تونس لم تُرضِ من يعتبر الديمقراطية تحدياً له، أو خطراً على أوضاعه ومصالحه.. وحول هدف العداء للديمقراطية، يتحقق التحالف حتى بين « الإنس» والجن.
ترتبط القضية الثالثة بالمحيط الإقليمي والجهوي التونسي. فتونس محكومة بجغرافيتها، أي بواقع وجودها محاطة بكل أسباب الإرهاب ومسبباته. فحدودها مترامية مع أكبر البلدان تسلحا ورخاوة من حيث ضعف الدولة وانعدام المؤسسات، أي ليبيا. وهي في تماس جغرافي مع الجزائر، البلد المهدد بدوره ببقايا إرهاب الداخل، والإرهاب المقبل من عمقه الإفريقي، وتونس، أيضا، لها نصيب من حاملي التفكير الإرهابي من أبنائها، إذ تتصدر قائمة «الجهاديين» المؤهلين والمعدين للإرهاب.
لذلك كله، سيكون المتضرر الأول من فاجعة متحف «باردو» هو مسيرة بناء الديمقراطية وتوطيدها..وسيكون الخيار الأول والأوحد لتونس وأصدقائها هو حماية هذا البناء، وضمان استمراره واستقراره.