كلما كان هناك خلاف وتوتر بين الإسلاميين والعلمانيين حول قضية تتصل بالدين ومنظومة حقوق الإنسان، أبانت إمارة المؤمنين عن قدرات اجتهادية توفيقية بين الطرفين. هل ترى أن إمارة المؤمنين لها وظيفة التجديد في الدين؟
نعم، إن المواقف والأحكام التي اتخذتها مؤسسة إمارة المؤمنين في السنوات الأخيرة بشأن عدد من القضايا التي تستدعي موقفا شرعيا، يظهر عليها قدر عالٍ من الاجتهاد، والرغبة في التكيف مع مستجدات العصر وإكراهاته. والذي يجعل من أحكام إمارة المؤمنين اجتهادية بالمعنى الديني، هو استدلالاتها الشرعية التي تستعمل فيها الأصول الشرعية المتعارف عليها بين الفقهاء، وتجتهد لإيجاد منافذ للمسائل المطروحة عليها انطلاقا من هذه الأصول.
ولكن يلاحظ أن تدخل أمير للمؤمنين يحدث غالبا لدرء الشقاق والتوتر بين الإسلاميين والعلمانيين. ألا ترى أن الأمر لا يعدو أن يكون تكييفا سياسيا لخلافات مجتمعية؟
إن المشكلة في جوهرها تتعلق بنزعة تسييس القضايا الدينية، والتي يسقط فيها كل من العلمانيين والإسلاميين، ومثل هذه القضايا تفسد السياسة فيها الرأي ولا تصلحه، ويجب أن تبقى بعيدة عن منطق الصراع والتنازع. والذي لم تفهمه كثير من الفعاليات بالمغرب، من شتى التيارات، هو أن هناك إعادة توزيع للمهام والوظائف في ما يتعلق بالمجال الديني بين الحكومة وإمارة المؤمنين، حيث أمست كل القضايا ذات الصلة بالدين، والتي تحتاج إلى حكمة، خارج صلاحيات الحكومة، بل هي اختصاص حصري لأمير المؤمنين ومؤسسة العلماء التي تشتغل تحت إمرته، ومن ثم بدل الصراع والانقسام وجب رفع المسألة في البدء إلى الجهة المخولة دستوريا بالبت فيها. غير أنه يبدو لي أن بعض الجهات لا يروقها اختصاص أمير المؤمنين بهذا الأمر. وكيفما كان الحال، فقد أثبت النموذج المغربي نجاعته وفعاليته لحد الآن دينيا وسياسيا.
لماذا لا يتصدر العلماء، خاصة في المجلس العلمي الأعلى، الاجتهاد والتوفيق مع مقتضيات العصر؟
بل العكس هو الصحيح. إن العلماء في قلب المشهد، فالاجتهاد المعمول به في كل القضايا هو نتيجة عمل متخصص ودقيق واحترافي، ولا يهم في هذا الجانب أن نتابع أخبار هؤلاء في الصحف، وأن تقام لهم الندوات، وأن يتحدثوا في وسائل الإعلام، فبعض العلماء، ربما خارج مؤسسة إمارة المؤمنين، يتحدثون في الأمر بما يرونه صوابا، ويجب أن تكفل حريتهم من هذه الناحية، كما يجب أيضا أن يبقى بين عالم المؤسسة ومن هم خارجها حبل من الود والتعاون والتناصح.
في كل القضايا التي طرحت لحد الآن، مثل حرية العقيدة، والإجهاض، وتعدد الزوجات، تم الوصول إلى مخرج توفيقي. هل ترى أن قضية الإرث يمكن الوصول بشأنها أيضا إلى التوافق؟
بالتأكيد؛ المغرب قادر من خلال مؤسساته أن يجد الحل لكل المسائل والمشاكل الاجتماعية التي أفرزها العصر، غير أن الذي يجب الانتباه إليه في هذا السياق، هو الابتعاد عن الإكراه الإعلامي والمدني لمؤسسة العلماء ولمؤسسة إمارة المؤمنين، بما يؤثر على عملها ونزاهتها الأخلاقية والعلمية، لأن البعض لا يكتفي بطرح السؤال والاستفسار، بل يتجاوز ذلك إلى إملاء الحل على إمارة المؤمنين، وهذا أمر خطير يهدد مصير ووظيفة هذه المؤسسة ودورها الاستراتيجي، فأتمنى أن تتحلى مختلف الأطراف بالنضج والمسؤولية بشأن هذا الموضوع بالذات، حتى نجنب بلادنا عوامل عدم الاستقرار والتشويش على المسار التنموي، لأن معركتنا الأساسية ببساطة هي ضد التخلف والفقر والمرض والجهل، وليست ضد الإسلام. ولا تفوتني الفرصة في هذا السياق للإشادة بالدور الرائد والحيوي لمؤسسة إمارة المؤمنين في الحفاظ على الاستقرار الديني والطمأنينة الروحية للمملكة.
امحمد جبرون: أكاديمي مختص في الفكر السياسي الإسلامي