كلب ينبح لكنه لا يعض 

04 أبريل 2015 - 20:55

أصبح طقسا مألوفا كل سنة أن يفتح المجلس الأعلى للحسابات طنجرة الفساد في المغرب، وأن ينشر الغسيل المتسخ للمؤسسات العمومية، وأن يصدم الرأي العام بمليارات الدراهم التي تتسرب كل سنة إلى الجيوب الكبيرة، أو في الحملات الانتخابية، أو في الامتيازات التي يحصل عليها كبار الأطر الإدارية… لكن بعد أن تنشر الصحف مقتطفات صادمة من بضاعة الفساد والاختلالات الكبرى التي تنخر البلاد، يرجع الجميع إلى عاداتهم اليومية، وإذا حصل ووصل ملف إلى القضاء، كما وقع السنة الماضية وما قبلها، فإن الهواتف تتحرك، والضغوط تتعالى، متهمة وزارة العدل مرة بالانتقائية، ومرة بتسييس المتابعات من أجل الانتقام من المعارضين.. وهكذا أصبح القضاء قطا بلا مخالب، وأصبحت النيابة العامة تمشي على البيض حتى لا تزعج المتهمين بالفساد.. إذا أردتم دليلا على أن الدولة في المغرب غير جادة في محاربة الفساد، فما عليكم إلا أن تعرفوا أن الوكيل العام في المجلس الأعلى للحسابات منصب شاغر منذ خمس سنوات، وأنه لم يجرِ تعيين أحد مكان السيد محمد أشركي منذ ذهب إلى المجلس الدستوري، وهذا معناه أن المجلس الأعلى للحسابات لا يريد أن يقيم جسرا لمرور تقاريره إلى القضاء، بمعنى أن الدولة تريد أن تحول المجلس الأعلى للحسابات إلى مؤسسة بلا فعالية.. إلى كلب ينبح لكنه لا يعض…

كل سنة يركز قضاة المجلس الأعلى للحسابات على مؤسسات بعينها لكنهم لا يقتربون من أخرى إطلاقا، وهذا معناه أن السيد جطو، وقبله الميداوي، وقبلهما عبد الصادق الكلاوي، يعرفون حدودهم، ولا يجرؤون على الاقتراب من المؤسسات السيادية، لأن الفساد فيه وفيه.. هناك فساد مباح وهناك فساد مكروه، وهناك فساد حرام، وعلى المجلس أن يبقي على الألوان الثلاثة أمامه طوال الوقت. الأحمر يعني أن هناك مؤسسات عليكم ألا تقتربوا منها، والأصفر يعني أن هناك مؤسسات يمكنكم أن تقتربوا منها لكن بحذر، وهناك الأخضر، ويعني أن هناك مؤسسات مسموح فيها المرور وبسرعة إذا أردتم، لأن الرأي العام يحتاج إلى التنفيس.. إلى أن نلقي له كل سنة قطعة لحم ينهشها حتى لا يسأل عن البقرة الحلوب الأخرى الجالسة في مكان محمي…

ما هو الحل أمام كل هذا الكم الكبير من الفساد المعشش في الإدارة المغربية والوزارات والمؤسسات العمومية وشركات الدولة والمكاتب والصناديق والحسابات الخصوصية؟ 

سيقول البعض إن الحل هو القضاء المستقل والمتخصص والجريء، وإن شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يُفعل في قاعات المحاكم. هذا العبد الضعيف يقول: إن هذا ليس حلا، الآن على الأقل، لأن القضاء ورش مؤجل الإصلاح، وهو نفسه يحتاج إلى إصلاح، وإلى حملة تطهير شاملة وخطة تأهيل كاملة، وهذه مهمة تحتاج إلى عشرات السنين، وتحتاج إلى تحول ديمقراطي حقيقي وكامل… 

ما الحل الممكن الآن للتقليص من الفساد المنتشر كالأرز في حقول الصين؟ الحل هو تقليص مجال تدخل الدولة في الاقتصاد، وإعادة النظر في نمط تسيير هذه المملكة ونموذج الحكامة فيها…

الدولة تاجر فاشل وفلاح خائب وصناعي «مكلخ» ومدير مبذر… ليس من مهمة الدولة، بشكلها الحالي وتوزيع السلط الذي نعرفه وهشاشة المؤسسات الموجودة، أن تبني المساكن، أو تدير المطارات، أو تبني الطرق، أو تفلح الأرض، أو تصدر إلى الخارج… مهمة الدولة الليبرالية الحديثة أن توفر الأمن وتجمع الضرائب وتعد الجيوش للقتال.. الباقي لا تعرف إطلاقا كيف تقوم به، فهي تصرف المليارات وفي الأخير لا تصل إلى ربع الأهداف التي سطرتها، فلا يستفيد إلا الموظفون الكبار والتجار المتخصصون في النصب والاحتيال…

انظروا، مثلا، إلى ما جرى في صندوق المقاصة.. الدولة كانت تخسر فيه 56 مليار درهم كل سنة، وثلثا هذا المبلغ الضخم لم يكونا يصلان إلى الفقراء، ولو أن بنكيران حاول إصلاحه لقضى عمره كله تائها في دروبه الملتوية، ولما حقق هدفا واحدا. الحل أنه قطع الدعم عن المحروقات، وحرر الأسعار، واتجه إلى دعم بعض الفئات الهشة مباشرة بالمال.. هذا هو النموذج…

يجب حل شركة العمران والمكتب الوطني للمطارات والشركة الوطنية للطرق للسيارة ومئات المؤسسات العمومية، ويجب إلغاء عدد من المكاتب والحسابات والوكالات و… والاتجاه إلى تركيز جهود الدولة في التقنين (la régulation). انظروا، مثلا، إلى مطارات المغرب المصنفة في ذيل الترتيب العالمي، يمكن إعطاؤها لشركة مغربية أو أجنبية، ووضع دفاتر تحملات واضحة لها، وعوض أن نخسر المال في تدبير المطارات، ستجني الدولة الأرباح من وراء هذا التفويض. كل المطارات الناجحة في العالم لا يسيرها الموظفون العموميون والإدارات المتكلسة، بل القطاع الخاص المراقب والمقنن عمله…

إذا كان لديك ابن في البيت يسرق المال الموضوع أمامه في الصالون كل صباح، فماذا تفعل؟ هل تقضي الوقت كله في عد النقود ونصب كاميرات ووعظ الابن وتكليف الخادمة بمراقبته، أم تحمل المال من المنزل وتضعه في البنك و«مريضنا ماعندو باس»؟ تصوروا أن هذا الحل البسيط لا تفكر فيه دولتكم، وتعلم الناس الحكمة القائلة: «المال السايب يعلم السرقة».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

رؤوف منذ 7 سنوات

تحياتي لك على هذه التوضيحات القيمة التي تنير لنا ضبابية المشهد السياسي في البلد، أعتقد انه ينبغي احياء وهج 20 فبراير لبث الفزع في قلوب المفسدين

فاطمة الزهراء منذ 7 سنوات

مقترحات عملية و بسيطة . لكن التساؤل الأساسي :هل هناك إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد؟

احمد منذ 7 سنوات

اذا فرضنا أن الدولة أقدمت على حل كل ما دعوت الى حله وسلمته الى الخواص من سيكون هذا الخاص: هم الفئة الفاسدة المفسدة في البلاد وعندما تفقد الدولة وسائل التحكم سيتفق هؤلاء المفسدون على تدمير ما تبقى من المغربي وهم بدؤوه منذ سمح لهم بضرب كل المبادئ من اجل اشهار. الحل أبسط من اقتراحك عزيزي بوعشرين ويتمثل فيما قاله احمد السنوسي: اللي بغا يصلح بعدا يبدا من راسو.

هشام منذ 7 سنوات

الامر خرج عن السيطرة ، واهم هو من يعتقد ان أن ما يسمى بإصلاح سيغير أي شيئ أو أنه موجود أصلا ، ما نسمعه الان من إعلانات محتشمة حول واقع الفساد لا يعدو أن يكون ضجة إعلامية لا غير و ذر للرماد على العيون . المغرب دولة لا مستقبل لها، وهذا الكلام ليس من أجل المزايدات السياسية أو من قبيل الكلام الفارغ، بل حقيقة يمكن للجميع أن يستنبطها من الواقع المرير والنتاقضات والمفارقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة في هذه البلاد . نموذج الدولة التي وضعها الاستمعار على طول الخريطة العربية ، بلغ أوجه ونهايته وأستنفد اهدافه ووصل إلى نهايته ، وهاهي أحجار الدومينوا تتساقط تباعا ، معلنتا على نهاية مرحلة حكم ملوك الطوائف القديمة الجديدة ، وبداية مرحلة تفتيت المفتت وتجزيئ المجزء .

المرضي almardi منذ 7 سنوات

ملاحظات قيمة , وحلول بسيطة سهلة التفعيل تحتاج لإرادة وإيمان فقط -لاخير فينا إن لم نقلها ولاخير فيهم إن لم يسمعوها - وجزاك الله خيرا على الموضوع والنصيحة

Talal منذ 7 سنوات

Bravo si Bouachrine

ليلی منذ 7 سنوات

يا له من صحافي بارع برافو توفيق و أخيرا أصبح الغرب يتوف علی صافي مجد و كفء لا كالذين يكتبون عن الأشخاص عوض الأهداف

المصطفي منذ 7 سنوات

yes!!!

محمد برحيلة منذ 7 سنوات

عندما فاز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011 استبشر الموطنون خيرا,وظنوا أن العم "فساد"سيتم اجتثاثه,وأن مختلف محاكم المملكة المغربية سيحال عليها العديد من الفاسدين وناهبي المال العام,وأن السجون ستستضيف عينات ميسورة من السجناء الذين عاثوا في المغرب فسادا والذين تضاعفت ثرواتهم وأصبحوا من أثرياء البلد بعدما كانوا "حفاة عراة". ومن أجل الوفاء بوعوده التي قطعها على نفسه ومنها محاربة الفاسد واسترجاع الأموال المنهوبة قام رئيس الحكومة عبد الاله بنكيران وطاقمه الوزاري بمحاولات محتشمة وبئيسة ,وقامت النيابة العامة بتحريك بعض الملفات "اثنين أو ثلاثة" التي أودع أصحابها السجن,وأخيرا اضطر رئيس الحكومة لاشهار الراية البيضاء معلنا جملته الشهيرة " عفى الله عما سلف"وهي العبارة التي نزلت على الشعب الذي كان يرغب في القصاص من الفاسدين كالصاعقة أو كالماء المثلج. إن الفساد المتعدد وعلى رأسه لالا مولاتي "رشوة" أصبح ينخر المجتمع في جميع المعاملات سيما مباريات التوظيف ,فالذين يدفعون الأظرفة والاتاوات بمجرد حصولهم على الشواهد العلمية تفتح لهم أبواب الادارات ويحصلون على الوظيفة, والذين يعتمدون فقط على "دراعهم" وما أوتوا من معرفة,ينضافون لصفوف العاطلين وتشتعل رؤوسهم شيبا وهم لا يزالون في ربيع أعمارهم. إن التصدي لعمليات الرشوة من أجل الحصول على الشغل أصبح من الأولويات لأن الذين يدفعون المال والذين يتلقونه على حد سواء ,يقومون بقطع أرزاق غيرهم, وهنا أستحضر المثل المصري الذي يقول "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق". فماذا ينتظر المجتمع من موظف حصل على وظيفته بالمقابل؟؟؟ الجواب يعرفه الجميع.

M.KACEMI منذ 7 سنوات

سؤال: هل يمكن للدولة أن تتبنى الخيار الليبرالي قي الاقتصاد دون أن تفعل الشيء ذاته في السياسة؟

اعماروش منذ 7 سنوات

التشخيص صحيح ، والدعوة الى حل الموسسات التي ينخرها الفساد كلام صاىب ومعقول. لاكن تجربة بلادنا مع تفويت المرفق العمومي الى الخواص لم يكن كذلك ناجحا. المشكل اعمق من هذا. فتفريخ المجالس في كل مجال دون فعالية تذكر انما هدفه افراغ دور الحكومة والبرلمان من ادوارهما وشل اي عملية اصلاح او ترميم. وهكذا نرى مجلسا لمحاربة الرشوة، ومجلسا للمنافسة وموسسة الوسيط كلها واجهات بهدف واحد وهو تدوير زوايا الفساد حتى بتحرك بانسيابية هاءلة.

محمد منذ 7 سنوات

مقال رائع وحقائق مؤلمة كان الله في عونك الأستاذ توفيق ومعك كل من عينه بصيزة ويده قصيرة يبدو اننا انتقلنا من فساد الدولة إلى دولة الفساد.

طالب باحث في القانون منذ 7 سنوات

يعجبني فيك أخي توفيق صراحتك ولغتك البسيطة .. تحياتي لأبناء هذا البلد الذين مازالت فيهم روح الغيرة على هذا الوطن... والمغرب الله يجيب شي رجال فشي زمان آخر باش يحاربوا الفساد، أما هاد الناس فما حاربوه حتى بأنفسهم

محمد منذ 7 سنوات

كلام نابع من القلب. من رجل غيور علی البلاد وفقك الله يا سيد توفيق. ( قال تعالیی ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم صدق الله العظيم.

Rabii منذ 7 سنوات

تبارك الله عليك كلام في الصميم