نصف الكأس الفارغ 

25 أبريل 2015 - 20:25

«الشعب بيننا»، قالها وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، لليساريين والحداثيين الذين طالبوه بالاعتراف بالحقوق الفردية في مسودة القانون الجنائي الجديد، وعدم تجريم العلاقات الجنسية خارج الزواج، والتسامح مع المفطرين في رمضان… الوزير يعرف بحاسته السياسية أن المجتمع المغربي محافظ بل ومنغلق أحيانا، وأن الشعب أكثر محافظة من الإسلاميين، لهذا رفع تحدي الاحتكام إلى الشعب…

لا جدال في أن القانون يضعه البرلمان المنتخب والأغلبية فيه تمثل نظريا إرادة الأمة، وهي التي تحسم النقاش، لكن هناك اعتبارات أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وهي المواثيق الدولية، قيم العصر، ووضع الأقلية وسط النخبة، وصورة المغرب في الخارج… أنا متأكد لو أن وزارة العدل عرضت تطبيق عقوبة الرجم على الزاني للاستفتاء في المجتمع لحصلت هذه العقوبة على الأغلبية المطلقة، لكن وظيفة الحكومة والبرلمان والأحزاب والنخب أن ترشد الرأي العام، وأن تضع أمام الشعب توليفة «الأصالة والمعاصرة». نعم جل المغاربة مسلمون، لكنهم أبناء القرن الـ21، وجلهم يطمع في الهجرة إلى الغرب، ومئات الآلاف منهم يقفون على باب السفارات الغربية والأمريكية كل سنة للحصول على التأشيرات، وهم لا يحلمون بالهجرة إلى السعودية وأفغانستان وباكستان، وهي الدول التي تطبق الشريعة الإسلامية بفهم سلفي وهابي متخلف. علينا أن نتمعن في هذه المفارقة…

لنرجع إلى قانون الحلال والحرام، أي مسودة القانون الجنائي التي عرضنا إيجابياتها أمس، واليوم نقف عند سلبياتها، وأولاها أنها مشروع قانون جنائي «قديم جديد»، أي أن المسودة لم توضع في قالب جديد بمنظور جديد ورؤية جديدة للممنوع والمسموح به في المجالين العام والخاص. القانون الجديد هو بمثابة تعديلات موسعة وليس مسودة جديدة… هل كان من الممكن أن نضع قانونا جديدا غير ذلك الذي ساهم الاستعمار الفرنسي والاستقلال المغربي في وضعه منذ أكثر من قرن؟ الجواب الأولي هو لا. الحزب الحاكم محافظ والدولة أكثر محافظة من الإسلاميين في القضايا الأخلاقية، ونظام القيم والشعب أكثر محافظة من الاثنين، فيما الحداثيون أقلية الأقلية، لهذا على هؤلاء أن يعترفوا بالواقع، وأن يتفاوضوا مع وزارة العدل على الممكن لا على المستحيل.. عندها يمكن أن يأخذوا بعض المكاسب… 

الملاحظة الثانية على مسودة القانون الجنائي هي أنها ظلت مسكونة بهاجس أمني، وأعطت الدولة دائماً امتيازا على المواطن، وهنا أقدم مثالين؛ الأول هو تجريم التعذيب، حيث تبنى مشروع القانون التعريف الشامل للتعذيب كما جاء في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، لكنه عندما مر إلى إقرار العقوبة كان انتقائيا، حيث لم يفرد إلا عقوبات على التعذيب الذي يحدث آلاما جسدية أو نفسية، ولم يشمل بالعقاب المعاملات القاسية والمعاملات الحاطة من كرامة البشر، ما يعني أنه يجرم كل أنواع التعذيب، لكنه لا يعاقب إلا على بعضه، حتى يترك للسلطة الباب الذي تفلت من خلاله من العقاب.

المثال الثاني من المادة 206 التي حافظت على وجودها من المشروع القديم رغم أنها مادة مثيرة للجدل الحقوقي. إنها جريمة فضفاضة اسمها تلقي أموال أو هبات أو هدايا من جهات أجنبية بهدف زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي عن طريق تسيير أو تمويل نشاط أو دعاية. هذا النص يعاقب من سنة إلى عشر سنوات وغرامة من 2000 إلى 100 ألف درهم. هذا النص هو الذي حوكم به شكيب الخياري لأنه أدلى بتصريحات وتقارير عن تهريب المخدرات في الشمال لصحيفة إسبانية، ولأنه كان يدير جمعية تتلقى مساعدات من مدريد، كما جل الجمعيات، فإن هذا النص اشتغل بفعالية لقمع الشاب ورميه في السجن. هذا النص عيب وعار أن يبقى في مسودة الرميد…

عقوبات الإعدام نزلت من 33 إلى 11 وهذا إيجابي، لكنه غير كاف. لا بد من بذل مجهود لتقليص عقوبات الإعدام لأنها مثيرة للجدل الحقوقي، والخطأ القضائي فيها غير قابل للإصلاح، وحتى عندنا لا يطبق الإعدام، لكن مجرد النطق به يدمر الإنسان، لهذا هناك حل من الشريعة الإسلامية والفقه القديم هذه المرة، وهو سقوط عقوبة الإعدام في حالة تنازل عائلة الضحية وقبولها بالتعويض والسجن المؤبد أو المحدد…

مشروع المسودة الجديدة أغفل تجريم امتناع قضاة النيابة العامة عن عرض كل من ادعى تعرضه للتعذيب على الخبرة الطبية. لقد رأينا السنة الماضية وكلاء للملك يمتنعون عن إجراء خبرة طبية لمتهمين ادعوا تعرضهم للتعذيب في مخافر الشرطة، فما كان من وزير العدل إلا أن أوقف واحدا من هؤلاء بإجراء إداري لأن النص غير موجود. هذه فرصة لتجريم هذا التجاهل وتخصيص عقوبة رادعة له.

موضوع اقتحام المنازل للبحث عن علاقات جنسية أو فساد مفترض بين رجل وامرأة موجودين في مكان واحد بدعوى وجود شكاية من الجيران.. هذا أمر يجب إعادة النظر فيه، لأننا شهدنا كيف شوهت السياسة الجنائية هذا النص، وتلاعبت به لأهداف أخرى، وهنا لا نقترح شيئا جديدا على وزير العدل الإسلامي.. رجاء التقيد بما جاء في الشريعة الإسلامية والفقه القديم، وهو اشتراط أربعة شهود على الفعل الفاضح، وإثبات الاتصال المباشر الذي لا يقطعه شيء، واعتبار البيوت حرمات، والباقي أنت وضميرك…

 يخطئ من يعتقد أن القانون وحده يحمي الأخلاق والدين والقيم.. أبدا، الذي يحمي المنظومة الأخلاقية في أي مجتمع هو ثقافة الناس، هو ضميرهم وليس السجن والغرامة… ولهذا، فإن القانون الجنائي وظيفته حماية الأفراد من ظلم بعضهم، وحماية النفس والمال والمصلحة، أما الدين والأخلاق فهذه متروكة لضمير الفرد ويوم حسابه مع ربه، ولا دخل للبشر فيها بالقانون الجنائي أو المدني…

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخطر عدو للحريات بالمغرب هي الوزارة الوصية عليها منذ 7 سنوات

في الوقت الذي تتحدث فيه الوثيقة الدستورية عن حرية التعبير وضمانها لجميع الأشخاص ذاتيين كانوا أم معنويين، وفي الوقت الذي لا يخلو فيه برنامج تلفزي أو إذاعي من حصة تقديمية لحرية التعبير وانجازات المغرب التي لا حصر لها في هذا المجال على حد قولهم، تأبى وزارة العدل والحريات إلا أن تعطي المثال الواضح الساطع عن حرية التعبير وتطبيقها في المغرب. بتاريخ 22 ابريل 2015 أقدمت وزارة العدل والحريات على إلغاء جلسة الحوار المبرمجة مع النقابة الوطنية للعدل المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. قد يكون الأمر مستساغا لو تعلق الأمر بكثرة التزامات الوزارة، قد يكون مقبولا لو تم تحديد تاريخ آخر لعقد جلسة الحوار وقد يكون مفروضا لو صرحت الوزارة بأنها لا تجد ما تتفاوض بشأنه لاستحالة الاستجابة للملف المطلبي في الظرفية الحالية. السبب، إذا نزعنا غلافه السياسي عنه، يبدو أنه صراع صبيان، أو صراع حمام كما يقول المغاربة، فجلسة الحوار تم إلغاؤها لأن النقابة الوطنية للعدل عبرت عن موقفها من مضمون ومن طريقة طبخ القوانين وأعلنت عن مقاطعتها للندوة التي نظمتها وزارة العدل والحريات بخصوص مسودة مشروع القانون الجنائي. تنظيم نقابي عبر عن موقف بكل حرية وفق ما تدعيه وتسهر عليه الوزارة الحامية للحريات ووفق الوثيقة الدستورية، يكشف حقيقة الحرية والحريات بالمغرب ووزارة العدل التي عمدت إلى إلغاء جلسة الحوار القطاعي رغم ما بين المجالين من اختلاف. في حقيقة الأمر، الإلغاء سياسة لقمع كل الرافضين لقرارات وسياسة الوزارة، ومحاولة تشكيل اجماع قطاعي مهمته الوحيدة تسويق منتوجات الوزارة والدولة، فليست هاته المرة الأولى التي نعاقب فيها بهاته الطريقة، حيث عمدت الوزارة سابقا إلى إقصائنا من دورة انتقالات الموظفين بسبب رفضنا التوقيع على مشاريعهم ومنتوجاتهم بخصوص النظام الأساسي لموظفي هيئة كتابة الضبط، وكان الإقصاء يتخذ شكل تهديد مباشر تحملناه ولازلنا بقناعتنا وإيماننا بعدالة القضية التي ندافع عنها.

محمد خالد محمد منذ 7 سنوات

«الشعب بيننا»، قالها وزير العدل والحريات...اي شعب؟ اي عدل؟ واي حريات؟ اذا كان اكثر من نصف الشعب امي لايقرأ ولا يكتب..؟ اذا كان اكثر من ثلثي الشعب تعيش تحت عتبة الفقر المدقع والجهل المركب والمعقد..؟ اي شعب هذا؟..الذي همه الوحيد والاوحد هو الحصول على المال باسرع وقت ممكن وباية طريقة ممكنة..اي شعب؟هذا الذي يجمعه بندير حلايقي وتفرقه عصا مخزني..؟اي شعب هذا ؟ واي حكومة هذه؟التي هي من الشعب وكما يكون الشعب يولى عليهم... الشعب قطيع من البشر قد يجرفه اي تيار واي ريح بالدعاية والاشاعة عبر قنوات الاتصال التلفزية والعنكبوتية..اي شعب؟ سيكون بينكم يامن تحسبون انفسكم فوق الشعب ..اي شعب هذا الذي يؤمن بالتلفزة اكثر مما يؤمن بالله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

Samadi منذ 7 سنوات

ان الانخفاض المضطرد للاعدام عندما نربطه بارتفاع معدلات الجريمة يظهر لنا بجلاء مدى الخلل الحاصل في المقاربة العقابية . فمن ابده البديهيات ان استفحال الجريمة يعني ان معدل القصاص يجب ان يرتفع حتى يؤدي ذالك الى زجر وردع كل من تسول له نفسه ازهاق الارواح البريئة . وفي المغرب الحبيب لا يتناطح عنزان ولا يختلف اثنان في حقيقة مفادها ان وتيرة الجرائم في ارتفاع دائم كما ونوعا . واحد الاسباب الرئيسية هو تعطيل تنفيذ حكم الاعدام اظف الى ذالك الفساد المستشري في المنظومة القضائية والتراجع المهول على مستوى الاخلاق والتربية والقيم . الاعدام يجب تفعيله وتطبيقه حتى يكون القاتل عبرة لمن سواه وحتى نوفر على الدولة اموالا طائلة تسرف من جيوب الشعب لتوفير الماوى والاكل والشرب واعادة التاهيل والرعاية النفسية لذالك السجين الذي يظل قابعا في زنزانته عشرات السنين في حين ان تلك الاموال يجب صرفها على المواطنين الصالحين . وفي الاحيان يتم العفو عنه فيعاود الكرة بترويعه للامنين . فيما يتعلق بالقبول بالسجن المؤبد او المحدد فتلك مسالة ليست بايدي اولياء الدم لانه لو قتل رجل رجلا فانه يتعلق بذالك الرجل ثلاث حقوق حق الله وهذا يسقط بالتوبة وحق المقتول عينه وهذا لا يسقط ابدا الى يوم القيامة وحق اولياء المقتول فهم مخيرون مابين القصاص او القبول بالدية او العفو

حسن أغربي منذ 7 سنوات

عندما تشير الى القمر...فالسفيه ينظر فقط الى طرف سبابتك... لن أنزل الى مستوى "الغير الحميد" أعلاه و لن أقول للحداثي أعلاه ماذا صنع الحداثيون العرب غير البيع و الشراء في الدمم و الدكاكين النقابية و البارات...هل صنعوا طائرات أو مفاعلات نووية التي صنعها الرجعيون الايرانيون؟؟!! و الباكستانيون؟!!دولتان من العالم الثالث تنجحان بفرض قيمهما و ثقافتهما على الغرب...ليس كالببغاء أعلاه الذي يكتب بلغة مستعمره الذي قتل أجداده ...هذا إن كان أجداده مغاربة و ليس من مخلفات الاستعمار... لا حداثيين لدينا...فقط ظواهر صوتية و فاشلين مكبوتين يرون الحداثة فقط في تعرية المرأة لا السمو بالاخلاق و القيم الانسامية الكونية...الحداثيون هم اليبانيون...قمة التطور دون التفريط في الهوية و الثقافة يا وليدات فرنسا...بلد الفورماج...

Samadi منذ 7 سنوات

عندما حكم السيد الوزير مصطفى الرميد الشعب فهو بذالك يطالب بتفعيل مبدا حكم الشعب نفسه بنفسه اي تطبيق الديموقراطية التي يتشدق بها الحداثيون والعلمانيون واشباههم عندما يرون فيها مطية لتحقيق ماربهم السياسية . الديموقراطية التي زجت بحزب العدالة والتنمية مرغمين لا ابطالا لكي يشاركوا في هاته المنظومة محاولين بذالك كبح جماح الفساد والتخفيف من وطاة التراجعات سواء في المجال الحقوقي او الاقتصادي او الاجتماعي . ومن تبعات انخراطه في البناء الديموقراطي للمغرب ومشاركته في الحكومة وليس في الحكم انه اصبح ينعت بالحزب الاسلامي رغم كونه حزبا مغربيا مسلما كباقي الاحزاب و مسالة دمغه بهذا النعت قد تكون محاولة لعزله وجدانيا في الذاكرة الشعبية عن باقي الاحزاب والهيات السياسية استعدادا لسيناريوهات مستقبلية قد تفضي الى التخلص منه وما انموذج مصر عنا ببعيد

Hamid منذ 7 سنوات

Bonjour Mr Hassan A part, ces quelques lignes qui sèment la discorde ... qu'avez vous offert à ce beau pays que vous voulez vous approprier ...? Monsieur Bouachrine est à la tête d'un journal acteur essentiel pour éclairer certains esprits. Ceux qui possèdent le potentiel de s'améliorer ... Vouloir se contenter de rester un mouton parmi des moutons est peut être un but en soit pour toi ... mais uniquement pour toi. Parler d'une majorité de marocains qui pensent comme toi est un péché d’orgueil ou d'ignorance

علال منذ 7 سنوات

من باب النكثة حتى تلك الطائرتين الجامبو صنعتا في الغرب وصنعها حداثيون فماذا صنع المتزمتون -من اي دين وفي اي زمان- غير الكراهية والحروب والماسي

حسن أغربي منذ 7 سنوات

مادام الشعب لديه شبه اجماع على محاربة منظومة اللا أخلاق التي يسعى الغرب لعولمتها... لماذا لا يتركنا هؤلاء الحداثيون و صحفييهم المؤيدين لطرحهم و يذهبوا للعيش في تلك المجتمعات "الناضجة" ويتركونا نعيش كما نشاء ؟؟ أظن أن طائرتين جامبو كافيتين لحل هذه المشكلة بشكل نهائي...اللهم إلا إذا كان هناك "مدخول ما" لهؤلاء "من جهة ما" مشروط بتنفيدهم لأجندة "هنا "و مع مغادرتهم سيغادر المصروف...عندها نجد تفسيرا لجدوى المادة 206 التي عارضتها سي توفيق...

مغربي على قد الحال منذ 7 سنوات

"أنا متأكد لو أن وزارة العدل عرضت تطبيق عقوبة الرجم على الزاني للاستفتاء في المجتمع لحصلت هذه العقوبة على الأغلبية المطلقة" لنتخيل اي دولة تجري استفتاء على الغاء الضرائب: ستلغى الضرائب وستنهار الدولة ليس دور النخب القول "الشعب بيننا" فالاباء المؤسسون عندما كتبوا دستور امريكا قبل قرنين استفادوا - من جحيم التشدد الديني في اوروبا - وغامروا بدستور كان الاكثر انفتاحا انذاك الان اين امريكا والغرب من بعدها واين افغانستان واين حتى التبت الغارقة في تزمت ديني لا يضاهى الرسول الكريم يقول " لن يشاد احدكم الدين الا غلبه" النخب يجب ان تنير الطريق للاخرين نحو المستقبل لا ان تتبعهم وقبل الاحتكام للصندوق يجب عليها نشر الوعي والادراك الصحيح للامور ومن بينها الدين بين الناس فالجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعل عدو بعدوه

قارء منذ 7 سنوات

واين دور التربية والتعليم في تكوين المواطنين الصالحين والمصلحين وفي تهذيب النفوس وفي بناء القيم السامية وترسيخها في دواليب المجتمع واركانه افرادا وجماعات؟