> استنكرت معارضة بشار الأسد قسوتك على الثورة السورية؟
< للأسف، ليست ثورة، بل صراعا من أجل السلطة، وهي نزاعات مصالح. هكذا، تتحمل المعارضة مسؤولية كبرى في المأساة الراهنة. إذ يتصل بي المنتقدون اليوم ليقولوا إنني كنت على حق. ذلك أن ما نسميه الثورات العربية، التي دعمتها في البداية عبر نصوص متعددة، تفتقد إلى الجوهر: القطيعة مع الإسلام المؤسساتي.
إن ما يجري في العالم العربي ليس بثورات. ففي سوريا، لم تتلفظ المعارضة أبدا بكلمة «العلمانية»، كأنها كلمة مخيفة. إذ لا يمكن أن أتصور ثورة لا يسعى الفاعلون فيها إلى فصل الدين عن الدولة، وإلى المواطنة، ولا يحتل وضع المرأة وتحرير الفقه مركزها. لا يمكن أن أكون جزءا من تظاهرة تخرج من المسجد. لابد من الثورة على الدين، وليس بالدين. لست معارضا للدين باعتباره تجربة فرد، شريطة ألا يلزم هذا الفرد الآخرين.
> كيف تنظر إلى العالم العربي اليوم؟
< تخضع الحضارات إلى دوائر، حيث اختفت الحضارات السومرية والعراقية القديمة والإغريقية واللاتينية وحضارات أخرى. والآن، حان الدور على العرب باعتبارهم حضارة. لن يكون هناك عالم عربي بعد اليوم، لأنه لن يكون هناك زخم حيوي، ولا مشروع جماعي، ولا بعد إنساني. أتحدث بالطبع عن السلطات والمؤسسات، لأنه لن يبقى سوى الأفراد، الذين لا ينبغي ربطهم بالجماهير. عندما تنظر إلى العرب بصفتهم أفرادا، فإنك ستجد بعض المتفوقين. فأنا ممنوع من دخول العربية السعودية، لكن بعض أصدقائي الأوفياء سعوديون.
> كيف ينظر الإسلام إلى الشعر؟
< هناك تقليدان كبيران في العالم العربي: الشعر والدين، بهذا الترتيب، لأن الشعر سبق الإسلام. نتج عنهما صراع بين الدين والشعر الجاهلي، الذي كان يزعم أنه يقول الحقيقة. والحال أنه بعد الوحي، لم يعد للشعر الحق في ادعاء قول الحقيقة. فضلا عن ذلك، يهاجم القرآن الشعراء- كما نرى في سورة «الشعراء»- مثلما فعل أفلاطون، الذي طلب طردهم من المدينة.
مع مجيء الإسلام، كان على الشعر، إذاً، أن ينفصل عن الفكر، ولم يعد أمام الشاعر سوى التعبير عن عواطفه. ومنذ ذلك الحين، لم يعد العرب يتصورون شاعرا يكون مفكرا كذلك، لأنهم لم يتعودوا قراءة الشعر يكون فكرا في الآن ذاته. ففي نظرهم، يجب على الشاعر أن يكون مثل المغني. والحال أنه لا وجود لشاعر يكون مفكرا كبيرا أيضا. من هنا، لا نستطيع العثور على شاعر كبير واحد، يمكننا أن نقول عنه إنه شاعر كبير ومسلم. أستثني (الصوفي والشاعر) النفري.
> الأمر ذاته ينطبق على مولانا، وعطار، ونظامي…
< لا يعرف مولانا بكونه شاعرا كبيرا، بل مفكرا يعبر عن فكره بالشعر. أما الشعراء الكبار، أمثال أنسي الحاج وأبو نواس والمتنبي، فهم رموز الرفض. تصوفهم هو ثورة تمثل قطيعة مع الإسلام المؤسساتي الذي كان، وما يزال، متربعا على السلطة. إذ لا يؤمن الشعراء الكبار بالدين. بينما تكمن خصوصية الإسلام في كونه ولد باعتباره سلطة ومؤسسة، بخلاف المسيحية التي ولدت كسلطة مضادة. فالإسلام هو أول إيديولوجية استخدمت الدين للدفاع عن أفكاره، مثلما ستفعل الشيوعية والفاشية.
لذلك، شهد الشعر مرحلة انحطاط شامل بين الفترتين النبوية والأموية. بعد ذلك، أيقظ العباسيون الشعر في بغداد، وهم يعززون الفكرة القائلة إن الشعر يجب أن يخدم النبوة. وقد دام هذا الأمر حتى غاية سقوطهم الذي سببته عسكريا الغزوات المغولية، وسببه ثقافيا العثمانيون. هكذا، فحداثتنا الشعرية توجد خلفنا. إذ لا نعثر على شعراء أبدعوا لغة جديدة، مثلما فعل «ملارمي» أو «رامبو»، لغة للتعبير، مثلا، عن الكفاح بين المدينة والصحراء. وبالنسبة إليّ، لقد ظللت أحلم بكتابة قصيدة لا تقوم على ما هو تقليدي، بل تعبر عن رؤية إلى العالم، تحتضن المعارف كلها.
> من هنا، ينبع عملك الغرافيكي؟
< إنه امتداد للشعر. وهو عبارة عن تنويعات على طريقتي في رؤية العالم، وفي إبداع علاقات جديدة بين الإنسان والأشياء، والإنسان والعالم. في العالم العربي، يكتسي التقليد قوة أكبر. ذلك أن الأشياء المختلفة تثير الاعتراض على الدوام. فإذا كان لما تفعله أصل ما، فإنك تنخرط، بطريقة أو بأخرى، في تقليد مرتبط بالقرآن. وهي حالة الشعر. لقد صرنا أكثر تحررا مع الصورة والمسرح والرواية.
> إذاً، الإسلام والحداثة لا ينسجمان؟
< يتأسس الإسلام على ثلاث عقائد. أولا، النبي هو خاتم الأنبياء. ثانيا، الحقائق التي ينقلها النبي هي حقائق نهائية، ولا يمكن أن يوجد غيرها. وأخيرا، ليس للإنسان ما يضيف أو يغير، حيث يجب عليه أن يطيع ويطبق. فإذا دفعنا بهذا المنطق، يمكن القول إنه لم يعد لله ما يقول، لأنه أعطى الحقيقة لخاتم أنبيائه.
> في المقابل، يضع شعرك كلّه الإنسانَ في قلب العالم…
< لا معنى للعالم في غياب الإنسان. قد يكون الإنسان لا شيء، لكن هذا اللاشيء هو كل شيء. فالهوية هي أن تكون إنسانا، قبل أن تكون متدينا، حيث يبدع الإنسان هويته بإبداع عمله. والدين لا ينتج الهوية، حيث يأتي من الماضي، بينما الهوية توجد في المستقبل. ولا يمكن لوزن الدين أن يكون سوى عقبة أمام التفكير في المستقبل. كان أبو العلاء المعري يقول إن «هناك نوعين من الرجال: رجال عقلاء ورجال متدينون.» لنعد إلى الشعراء المتصوفة… إنهم أشخاص قلبوا مفهوم الهوية. إذ تكمن الفكرة في أن «الآخر» يكتسي بعدا مكونا لـ»الأنا»، حيث لا يوجد «الأنا» دون الآخر. ومنذ أن يوجد الآخر، فثمة التعدد. بينما الإسلام المؤسساتي لا يمنح الآخر أي مكان…
> من هو الشاعر الكبير؟
< الشعراء الكبار يترجمون العالم. حينها تتفجر القصيدة أمامك. فيتجاوز الشعرُ القصيدةَ. لكنه يجب ألا يكون وسيلة أبدا؛ ذلك أن الشعر الملتزم لا يمثل شيئا. إذ يجب أن يكون الشعر ملتقى بين المبدع والجمهور. والقارئ مبدعٌ أيضا. فهو لا يتلقى فحسب، لأن القراءة تتطلب جهدا كبيرا. لكن ثمة اليوم أزمة كتابة، ليس في جانب الإبداع، بل في جانب القراءة كذلك. إذ لم يعد هناك قراء الأعمال الكبرى في الرواية والسينما…
> كيف تنظر إلى تدمير الجماعات الإسلامية التراث العربي؟
< شعرت بالإهانة. إذ كيف نتصور أن يكون متحف ما عدوا للدين؟
عن جريدة «ليبراسيون» الفرنسية