في دعوة جريئة، دعا عبد العلي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال بالرباط، إلى تجاوز نعت « الإسلامي » في توصيف حزب العدالة والتنمية، مؤكدا أن القبول بإدماج الحزب في الوسط السياسي، أدى به إلى التطور والتكيف في الخطاب والممارسة.
حامي الدين اعتبر، خلال ندوة حول: « الإسلاميون وتحدي السلطة »، اول أمس بالرباط، أن ثمة حاجة علمية لتجاوز مصطلح الإسلاميين، لكونه لم يعد يعبر عن حزب العدالة والتنمية. خاصة وأنه مصطلح « مشحون بـالاعتبارات السياسية »، التي تسعى إلى عزله عن عمقه المجتمعي.
وقارن حامي الدين بين المرحلة الأولى في تطور الحزب من داخل المؤسسة التشريعية بين 1997 و 2002، والفترة الجارية حاليا منذ وصوله إلى الحكومة عقب انتخابات 2011. مرورا بفترات حاسمة أعقبت 16 ماي.
خلال التجربة الأولى، كانت مجمل المبادرات، انطلاقا من سلوكه الرقابي، تقدم الحزب « مدافعا عن الأخلاق والهوية بدرجة أساسية »، و »لا يعني ذلك أنه لم يعبر عن مقترحات سياسية واقتصادية واجتماعية »، وأوضح حامي الدين أن الحزب ركز خلال تلك المرحلة على إثارة الإخلال بالحياء العام، والمطالبة بحظر المعاملات الربوية، ومحاربة الخمر. وقد تضمن البرنامج الانتخابي لسنة 2002، عشرة منطلقات وأولويات، منها خمسة أحيلت بشكل مباشر على المرجعية الإسلامية. وقد تضمن البرنامج المذكور، يضيف حامي الدين، إجراءات من قبيل الدعوة إلى ملاءمة القوانين مع الشريعة الإسلامية، ومناهضة السياحة اللاأخلاقية، والدعوة إلى تطهير مداخيل الميزانية من الربا والخمر..
لكن عقب أحداث 16 مايو 2003، وقعت تغييرات، تضمنتها الورقة المذهبية المقدمة إلى المؤتمر الرابع للحزب سنة 2004، والتي نصّت على أن حزب العدالة والتنمية « حزب سياسي بمرجعية إسلامية وليس حزبا دينيا »، وأقرت أن المواطنة « أساس الانتماء إليه، وهو مفتوح في وجه المغاربة »، بمن فيهم اليهود المغاربة.
وقال حامي الدين إن التحول ارتبط، أساسا، بأحداث 16 مايو، من جهة، ومن جهة ثانية بأطروحة تبلورت نظريا سنة 1998، تقول بنظرية الفصل بين المجال السياسي والدعوي، لكن احتاج تنزيلها عمليا إلى وقت. وهي الأطروحة التي تم تبنيها في المؤتمر الخامس للحزب سنة 2007، حيث تم الفصل بين الحزب بوصفه أداة تنظيمية للعمل في المجال السياسي، ومهمته تدبير الشأن العام، وبين الحركة الدعوية التي مجالها العمل المدني في المجتمع.
وأفاد حامي الدين أن المؤتمر السادس للحزب أعاد تعريف الحزب باعتباره « حزبا وطنيا بمرجعية اسلامية »، يناضل من أجل الديمقراطية. وقال إن هذا التعريف لا يلائم الحقيقة، لأن البيئة المغربية مختلفة عن المشرق العربي، لأن الأحزاب المغربية لا أحد منها يتنكر للإسلام. واقترح حامي الدين تعريفا جديدا يكرس هويته كحزب سياسي يناضل من أجل الديمقراطية.
على خلاف القراءة التي قدمها حامي الدين، من داخل حزب العدالة والتنمية، قدم عبد الرحيم المصلوحي، أستاذ العلوم السياسية بكلية أكدال بالرباط، قراءة من خارج الحزب، ترتكز على ضوء التجربة الحزبية المغربية، متوقعا أن يكرر حزب العدالة والتنمية تجربة الاتحاد الاشتراكي كذلك.
وانطلق المصلوحي من مقولة تعتبر أن تاريخ الأحزاب السياسية المغربية هو تاريخ إدماجها في الدولة. وأضاف أن الصراع على السلطة بين الأحزاب والملكية، كان ينتهي دائماً لصالح المؤسسة الملكية، وأن هذه الأخيرة نهجت مع خصومها خيار الإدماج، الذي من خلاله تستطيع تجديد شرعيتها كذلك.
واعتبر المصلوحي أن تجديد الشرعية تم أولا بخيار إدماج النخب القروية في السبعينيات، ثم خيّار إدماج النخب اليسارية في الدولة خلال التسعينيات، واليوم، تُجرّب الدولة خيار إدماج الإسلاميين، للهدف نفسه دائماً وهو تجديد الشرعية. غير أن ذلك لا يعني أن المجتمع « قد استنفذ إمكانياته في إنتاج المعارضة » من خارج النظام.
وقد خصّص سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب أكدال بالرباط، لدراسة موقف الخطاب الإسلامي كما يمثله حزب العدالة والتنمية من مسألة التنوع، وخلص إلى أن التنوع شبه غائب في خطاب الحزب، ويتمظهر ذلك في مواقفه المتذبذبة وغير القارة.
ويعبر خطاب التنوع عن ثلاثة رهانات، في نظر بنيس، أولا تلبية الحاجيات الثقافية واللغوية للجماعات والأفراد، وثانيا الانتقال من منطلق الوحدة إلى منطق التمازج، وثالثا الانتقال من دولة مركزية إلى دولة تشارك الخيرات والثروة مع الجهات.
وأبرز بنيس استراتيجية الخطاب لدى حزب العدالة والتنمية تجاه التنوع، إذ يعتبره « تحديا ثقافيا »، في الوقت الذي يقر فيه بأن تدبير التنوع هو مسألة تتعلق بالسيادة، كما أنه يؤكد على الاختلاف، لكن في إطار الوحدة، ورمزها الإسلام واللغة العربية. ومن أجل ذلك يعمل الحزب، في نظر بنيس، على خلق بنيات موازية للبنيات المدنية العلمانية.