كريــم التـــازي..الثري العيساوي الذي ركب موج 20 فبراير إيمانا بالتغيير

09/05/2015 - 17:35
كريــم التـــازي..الثري العيساوي الذي ركب موج 20 فبراير إيمانا بالتغيير

تصوير عبد المجيد رزقو

حذر حد الهوس، وهو المغامر الذي اختار الأدغال وجبال الأطلس ليغيب فيها مرتين كل سنة، غير آبه بما تخبئه المنعرجات وهو يسير وحيدا في طرقات لا تشوير فيها، مثلما يركب يخته، عابرا البحر مرة واحدة كل سنة ليكتشف الجديد ورفيقته عدسة كاميرا يقتنص بها آلاف الصور التي يحتفظ بها.. إنه كريم التازي، رجل المال والأعمال الذي ركب موج 20 فبراير سنة 2011، إيمانا بالتغيير.

رأى النور سنة 1960، حيث ترعرع بالدار البيضاء، التي قدم إليها والده من فاس مدينته الأصل ما بين أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وأكمل مشوار العيش ممتطيا سلم النجاح والثراء في دروب العصامية.

تلقى تكوينا دراسيا فرنسيا وحصل على الباكالوريا سنة 1978 من ثانوية ليوطي، بعدها سافر إلى فرنسا حيث أنهى دراساته بجامعة السوربون بباريس قبل أن يعود للاستقرار في المغرب، وتحديدا بـ«المعاريف» بالبيضاء ملتحقا بمجموعة شركات العائلة التي اشتغل فيها إلى غاية سنة 1994. غادر المغرب مرة أخرى للعيش في فرنسا، حيث أمضى سنوات قليلة قبل أن يعاوده الحنين إلى أرضه، ويقرر الاستقرار خارج صخب المدن. اشترى ضيعة فلاحية بنواحي العاصمة الاقتصادية، وتحديدا بمنطقة بوسكورة. لم تكن حينها المنطقة موصولة بالماء ولا بالكهرباء، ولا طرق توصل إليها قبل أن يزحف الاسمنت ليدخلها المدار الحضري. يقول التازي: «وصل إلينا التحضر بكل مشاكله انطلاقا من سنة 2005، حين اكتشف المنطقة منعشون عقاريون من الذين يسيطرون اليوم على تجارة العقار في المغرب، ومُنحوا رخصا استثنائية»، فغاب الأمن والهدوء و«تلاشت ملامح الجنة التي نعمنا بها سنوات التسعينات، إلى حدود السنوات الأولى للألفية الثالثة».

وأنت تلج ضيعة كريم التازي، تتلاشى في ذهنك فكرة الضجيج، القادم مع زحف الاسمنت، فلا تصل إليك غير أصوات العصافير من أشجار مزرعته الواسعة، ويطهر سمعك من بقايا الضجيج صياح ديك، فتلقي بناظريك على خضرة تستطيبها الروح، متجولا بين أشجارها الممتدة طولا وعرضا على نحو منظم آسر.

أما الموسيقى فحياة ثانية لكريم التازي، وصحبة يومية منذ أن يفتح عينيه إلى حين إغلاقهما.. هادئة وكلاسيكية في أوقات تعبه وعلى نوتاتها ينام، وحركية وكناوية الهوى يصفها بـ«المجنونة» كلما اشتعلت بداخل الروح حماسة.

القراءة، أيضا، اختارها سماعا وتشكل أكثر من 60 في المائة في طريقه الدائم نحو المعرفة، الذي يركبه أينما وُجد ووَجد وقتا لذلك. لم يمنعه ذلك من إفراد حيز داخل بيته لمكتبة أنيقة، صممت على نحو بديع، تشمل مكتبا يجلس فيه ساعات أيام البرد. أوجد مكتبا ثانيا لأيام أيام الحر والاعتدال، يقول إنه «عمليٌّ أكثر».. انتصبت على جدرانه رفوف فائقة التنظيم، جانب منها يحمل آلات تصوير مختلفة، وخزانة فسيحة لأشرطة موسيقية عربية وأجنبية وكلاسيكية ولاتينية وكناوية. أشرف بنفسه على ترتيبها.

لا يقرأ الرواية، لكنه يتتبع آخر إصدارات المال والأعمال، وينقب عن الحكمة في مختلف المجلات والكتب التي تتناول مختلف الديانات غير السماوية، والثقافات، خاصة الإفريقية والأسيوية، «أقرأ بحثا عن طريق عبرتها شعوب نحو الحكمة»، متتبعا مسارات أفراد سعوا إلى إيجاد معنى لهذه الحياة.. كبار اتخذوا التأمل وسيلة لاكتشاف الكون بطرق مختلفة وعميقة، دون اعتماد رسائل سماوية «شأننا نحن المسلمين وباقي المؤمنين بالديانات السماوية الأخرى، التي يتصارع اليوم أهلها حول تأويلها»، يقول التازي الذي يؤكد أن دور الكتب والمجلات التي قرأها «كان أكبر في تعليمي وتربيتي من المدارس التي سلكت دروبها».

يحب التازي السينما، ويشاهد الأفلام بين الحين والآخر، أما التلفزيون فلا رابط يصله به، ولمعرفة الأخبار يلجأ فقط إلى «البي بي سي»، وللأنترنت حظ كبير، وللصحف العربية نصيب كبير في وصله بالمعلومات، إلى جانب مجموع الشبكات الجمعوية والحقوقية، المنخرط فيها، وكذا «حلقة رجال الأعمال الزملاء، حين اجتماعهم وتعريتهم واقعهم المغربي في ما بينهم».

وللفن التشكيلي مساحة كبيرة في خاطر كريم التازي، وهو ما جعله يفرد مساحات جدران بيته للوحات تشكيلية تتوحد أنفاسها لتقول إنه عاشق كبير لفن «تاكناويت». لم يجذبه لاقتناء لوحاته اسم أو توقيع بقدر ما هز دواخله «الجنون» المتجلي واصلا الجسد بالروح، «فأنا شخص لا تثيره العناوين والأسماء وإنما بصمات الروح»، يقول كريم. ومنذ نعومة أظافره وجد التازي نفسه وسط إيقاعات الجذبة التي تذوقها مع فن «عيساوة» إرث أسرته الفاسية.

«أنا ضد الفوضى وكل خطوة محسوبة بدقة»، يقول الخمسيني الجد لحفيدة واحدة، عن نمط عيش اختاره منذ عودته للاستقرار في المغرب في بداية تسعينات القرن الماضي. أدرك باكرا أن سير العمر أماما يربك توازن المرء، فواجه هذا السير بنظام غذائي اختاره نباتيا، لا مكان للحوم الحمراء وللدواجن والطيور على مائدته، وقليلا ما يتناول السمك، والمشروبات الطبيعية التي يتناولها بدون سكر. أما الرياضة ففريضة يومية تبدأ بعد الخامسة صباحا، بعد 4 أو 5 ساعات من النوم، يحفزه على أدائها ملعب معشوشب شاسع حضره خصيصا لذلك.

غذاء كريم جله من مصدر «بيو».. خضر وفواكه طازجة تجود بها مزرعته الصغيرة التي هيأها منذ سنوات إقامته الأولى في بيته الفسيح، والتي يمكنك رؤيتها من جدار صالة زجاجية فسيحة، هذه المزرعة يشرف على رعاية كل نبتة وشجرة فيها بتوجيه المكلفين بخدمتها.

الثامنة صباحا لدى جل الناس هي بداية يوم عمل، أما لدى كريم التازي، فتمثل قرابة منتصف النهار الذي ينهيه في الثانية عشرة زوالا ليتناول غداءه المكون في أغلب الأحيان من سلطة مشكلة من خضر حديقته.. خس وطماطم وفلفل وغيرها من ثمار الموسم، وقليل من الخبز، لينام بعدها ساعة كاملة في مكتبه، قبل أن يستيقظ بنفس يوم جديد! لكن أين ينام؟ طبعا ليس على طاولة المكتب، فهو صانع الأفرشة الأول، يحرص على ضمان نوم مريح له أولا.. كنبة ضمن صالون لاستقبال الضيوف، عن ذلك يقول: «حرفتي صناعة الأفرشة، فكيف لا أملك فراشا حيث أريد؟ سينطبق علي حينها مثل ‘‘جزار معشي باللفت’’ وأنا لست كذلك».

رحلتان بريتان خلال السنة الواحدة، تنضاف إليهما رحلة بحرية ثالثة، هي لحظات اختلاء كريم التازي بنفسه، والتخلص من ضغوطات الحياة اليومية وإدارة أعماله ومختلف مسؤولياته، التي يتركها جانبا ليكون مسؤولا عن روحه وحدها في محاولة لتخليصها من كل ما يمكنه أن يعيق استمرار توازنها.

الامتناع عن الأكل، عادة يختارها التازي طيلة أيام رحلاته البرية وحيدا، وتتراوح مدتها ما بين 4 وسبعة أيام، مكتفيا خلالها بشرب الشاي البارد وعصير البرتقال المحليين والماء. يعود من رحلته في جبال الأطلس حاملا حقيبة ظهره على متن «طاكسي» كبير نحو مراكش، ومن هناك يعود إلى الدار البيضاء على متن القطار أو الطائرة.

رجل المال والأعمال الذي تخلى عنه زملاؤه، أصدقاء الأمس القريب، الذين اختفوا بعدما سجل مرور اسمه في لائحة المغضوب عليهم، يعيد النظر في مجموع علاقاته الكثيرة والقريبة مع عشرات رجال المال والأعمال، ليضيق دائرة الأصدقاء التي لم تعد تتعدى في مجموعها العشرة، فهو لا يخشى ضرب مصالحه بضرب كل العلاقات السابقة عرض الحائط مؤمنا بأن «اللي فلوسو فجيبو المصالح تجي عندو»، يورد التازي.

يصف كريم التازي زملاءه فيقول: «أكثر ما أستغربه هو حالة السكيزوفرينيا الحادة التي يعيشها رجال الأعمال في المغرب ما بين الخطاب الرسمي وخطابهم على الصعيد الخاص.. شيء ينفرني وجعلني أختار العيش في دائرة صغيرة». ويقارن نفسه بهم فيقول: «حين أقارن نفسي بهم، أكتشف أنني معتدل جدا ويدهشني وصفي بالعدمي والمنتقد الشديد للنظام السياسي في المغرب، كما يروج.

karim tazi (15)karim tazi (3)karim tazi (12)karim tazi (14)karim tazi (16)karim tazi (17)karim tazi (24)karim tazi (27)

شارك المقال