في معرض تحليله لوضع دول الربيع العربي، شدد المفكر العربي عزمي بشارة على أن أهم المشاكل والمعيقات التي عرفتها دول « الربيع العربي » تتمثل في عدم تمكن القوى التي دعمت الثورات من خلق توافقات في ما بينها، وهو ما أدى إلى استعادة الاستبداد لأنفاسه، خصوصا مع نقل الصراع من صراع بين ديمقراطي وغير ديمقراطي إلى صراع بين علماني وإسلامي.
المفكر العربي، الذي ألقى محاضرة ضمن فعاليات المنتدى السياسي الأول ل »أخبار اليوم » و »اليوم 24″ تحت عنوان « المراحل الانتقالية واستراتيجية بناء التوافقات »، اليوم الخميس بالرباط، أكد على أن مصادرة الثورات واحتكارها أمر مثبت على مدى التاريخ، معطيا المثال لذلك بثورة البلاشفة والثورة الإيرانية « لكون الخيمني لم يكن هو الثورة، لانها كانت تتضمن أحزاب أخرى، لكنه جاء واحتكر ».
وتابع المتحدث ان « الثورات العربية من أغرب الثورات التي التاريخ » وذلك لكونها جاءت من خارج الانظمة وطالبت بالاصلاح، والحال أن ما هو متعارف عليه تاريخيا هو أن الانقلاب والإصلاح يأتي من داخل النظام، والثورة تأتي من خارجه، مؤكدا على أن السبب الرئيسي للثورات التي عرفها العالم العربي هو « جمود الانظمة العربية وعدم تطورها وغبائها »، ما دفع » القوى الديمقراطية إلى الضغط على الانظمة من الخارج وإجبارها على التنحي، وجعلت مكوناتها غيير الديمقراطية تتصارع في ما بينها ».
إلا أن القوى الديمقراطية لم تكن معدة لمرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة، حسب ما أكد بشارة من خلال سرده للمثال التونسي، حيث « لم يكن الشباب مستعدين لمرحلة ما بعد زين العابدين، فتركوا الميادين وعادت القوى السياسية التي كانت مقموعة او كانت حاكمة إلى الواجهة »، وهو ما أدى حسب المتحدث إلى « تشوهات عديدة، من ضمنها عدم تمثيل القوى الديمقراطية بشكل رئيسي، وعدم إصلاح الجهاز الأمني خصم الثوار الأول، هذا إلى جانب عدم القضاء على البيروقراطية وعدم إصلاح القضاء ».
كل هذه العوامل أدت إلى جعل العالم العربي لم يعرف عدالة انتقالية منذ ثورات 2011، يوضح بشارة، خصوصا وأن الثورات لم تؤد إلى منع من قاموا باعمال محددة من تولي مناصب، مع الارتكان إلى قضاء فاسد للحصول على القصاص.
واسترسل المفكر العربيأن القوى الثورية أو تلك التي دعمت الثورة » لم تتمكن من تشكيل وحدة للقوى التي تريد الديمقراطية، وتصارعت على السلطة قبل أن تصل إليها، فبدل تشكيل اتحاد للقوى المؤيدة للنظام الديمقراطي للصراع مع النظام القديم بدأت مبكرا في التنافس في ما بينها على السلطة »، وذلك في ظل »عدم المساس بالجهاز الأمني للنظام القديم، وبقاء مكوناته السياسية على الساحة، بل واستعادتها لأنفاسها ».
أخطاء تنضاف حسب المفكر إلى اندفاع جزء من هذه القوى الديمقراطية إلى إجراء الانتخابات، وهو ما تجلى في سلوك الاخوان المسلمين في مصر، والذين كان همهم منذ الاعلان على الوثيقة الدستورية المطالبة بالانتخابات لأنهم كانوا يضمنون الفوز بها لكونهم « القوة الوحيدة المنظمة القادرة على خوض الانتخابات »، في ما القوى الأخرى غير المنظمة لم تسع الى التحالف معهم، وهو ما اعتبره المفكر خطأ الإخوان المسلمين، لكونهم لم يسعوا في المقام الأول إلى تحقيق الانتقال الديمقراطي.
هذه العوامل جعلت الدولة العميقة تستعيد أنفاسها لتبدأ في المناورة بين قوى الثورة وتعميق خلافاتها، يسترسل بشارة، الذي تحدث عن كون الخطأ الثاني في التجربة المصرية هو عدم الاعتراف بشرعية الانتخابات التي قادت الإخوان إلى الحكم، وسعي بعض القوى إلى التحالف مع الاستبداد ضدها.
تبعا لذلك، خلص المتحدث نفسه إلى أن الوصول إلى توافقات في دول الثورات كما في غيرها يتطلب القدرة على المساومة والقبول بالآخر والتسامح، مشددا على أن غياب ذلك ادى إلى التحول من النقاش بين ديمقراطيين وغير ديمقراطيين، الى الانقسام إلى اسلاميين وعلمانيين، وهو الانقسام الذي أكد المفكر العربي على أنه لا علاقة له بالانتقال الديمقراطي، بل ويحيد بالثورات عن أهدافها، مشددا على أن « التوافق بين قوى ديمقراطية ضد قوى أخرى غير ديمقراطية يشمل التوحد ضد الاستبداد كما يشمل التوحد ضد داعش »، يورد بشارة.
هذا الصراع بين الاسلامي والعلماني يتحول بسهولة الى صراع هويات، يتابع المفكر العربي قائلا أنه « يغبط » دول المغرب العربي لكونها لا تعرف تعدد الطوائف كما هو الحال في المشرق.
وفي نفس السياق، أكد عزمي بشارة على أن الدول العربية انفردت باختراع « الهوية العلمانية »، في حال أنها ليست ثقافة أو نمط حياة عكس ما يرى البعض، بل موقفا، « والعلمانية ليست لها مشكلة من الدين لكنها تريد تحييد الدولة دينيا ، أي ان لا تكون الدولة اداة للاكراه الديني »، حسب المفكر الذي شدد على أن هذه الأجواء من صراع بين الاسلاميين والعلمانيين » أوجدت مجال للنظر الى الثورات كفوضى ».