مصباح: التيار الجهادي بالمغرب يعيش حالة نبذ مجتمعي

16/05/2015 - 16:30
مصباح: التيار الجهادي بالمغرب يعيش حالة نبذ مجتمعي

كيف تقيم سياسة إصلاح الحقل الديني في تطويق الظاهرة الإرهابية؟ 

 لا يمكن فهم سياسة الدولة تجاه الحقل الديني والفاعلين فيه دون استحضار لحظة الانتقال من العهد السابق إلى العهد الجديد مع اعتلاء الملك محمد السادس العرش وما صاحبه من تشبيب للمحيط الملكي. هذا الانتقال سيعرف خطابا وسياسة جديدة تسعى للقطع مع العهد السابق ورجالاته وسياساته. لكن جوهرها يبقى واحدا، وهو الرغبة في التحكم في الفضاء العام. فالفريق الجديد ضمن المحيط الملكي سيجعل من تحديث بنيات وسياسات الدولة مشروعه الخاص وفق تصور محكوم بثقافة حديثة فرنسية بالأساس. ضمن هذا المشروع الحداثي التحديثي سيوظف الدين لخدمة التحديث، لاسيما مع بدايات العهد الجديد. بل نرى هذا الفريق يراهن من حيث موارده البشرية على طبقتين، الأولى تكنوقراطية أساسها خريجي المدارس العليا الفرنسية، وطبقة سياسية إيديولوجية من يساريين سابقين، وبالأساس يسار متمرد على أحزاب اليسار التقليدي. القاسم المشترك بين هاتين الطبقتين هو ثقافتها الفرنسية بالأساس، وغياب الامتداد الشعبي.

لكن أحداث 16 ماي 2003 ستدفع نحو إعادة النظر في السياسة المتبعة في المجال الديني، ليظهر مشروع ما اصطلح عليه بتأهيل الحقل الديني وإصلاحه. لكن هذه السياسة المتعلقة بالمجال الديني عرفت تخبطا نتيجة مجموعة من العوائق الذاتية والموضوعية.

 ما هي هذه العوائق؟

  أول هذه العوائق كون هذه السياسة محكومة بهاجس سياسي وأمني تمثل في سياسة التهميش والحصار الممنهج لعموم التيار الديني، باستثناء التيار الصوفي، وبالأساس الزاوية البوتشيشية. بل سنجد رغبة لدى بعض مكونات هذا الفريق في انتهاج سياسة تجفيف الينابيع تيمنا بالتجربة التونسية آنذاك، من خلال السعي لحل حزب العدالة والتنمية آنذاك.

ثانيا، هذا الفريق، نتيجة ثقافته الفرنسية بالأساس، غير مؤهل معرفيا ولا حضاريا لنهج سياسة في المجال الديني تراعي الخصوصية التاريخية والحضارية للمغرب، ولا خصوصيات المذهب السني المالكي. ثالث هذه العوائق عقم هذه الرؤيا للمجال الديني والحضاري، كما تجلى في سياسة الانعزال عن المحيط العربي والإفريقي. ففي غياب سياسة خارجية ديناميكية تستحضر البعد الحضاري والديني للمغرب في علاقته بإفريقيا، سيتمدد كل من التيار السلفي والشيعي المدعوم من إيران على حساب القوى الدينية التقليدية الموالية تاريخيا للمغرب.

إن سياسة ناجحة في مجال الحقل الديني تفترض إشراك الفاعل الديني الوطني في رسم وتنفيذ سياسة وفعل ديني، وتأهيله ليقوم بأدوار فعالة في حماية القيم الدينية والأخلاقية ضمن المحيط الوطني، في ظل أجواء العولمة التي تهدد  هوية المجتمعات المحلية. كما أن هذه الشراكة بين مؤسسات الدولة والفاعلين الدينيين من صوفية وسلفية وحركية يجب أن تشمل المجال الإفريقي والعربي والإسلامي عموما. وهذا يتطلب أيضا من الفاعلين الدينيين أيضا الوعي بالأدوار الضرورية التي يجب أن يقوم بها الدين في الفضاء العام والخاص، بما يحفظ وحدة الأمة ويضمن مصالحها الدنيوية والأخروية.    

 ثمة غموض حتى الآن فيما يخص الفاعل أو الجهة التي تقف وراء 16 ماي. كيف تقرأ هذا الأمر؟

 أعتقد أن هناك حقائق تقتضي أن يتم استحضارها في التحليل، منها أولا أن الظاهرة الإرهابية أصبحت أكثر ارتباطا بما يسمى بالإسلام المعولم المتجاوز للحدود، وهذا ما يتطلب تعاونا دوليا وإقليميا لمواجهة هذه الظاهرة. وثانيا الاختراق المخابراتي للظاهرة الإرهابية وتوظيفها لخدمة أجندة محددة أصبح من المسلمات التي لا تناقش إلا في تفاصيلها. وهذا ما يجعل المغرب كغيره من الدول مهددا بالاختراقات المخابراتية لدول منازعة له، أو دول تستهدف التأثير على مجريات المسار السياسي للبلاد حتى من دول تبدو في ظاهرها صديقة. 

 مرت 12 سنة على تلك الأحداث، و11 سنة على سياسة إصلاح الحقل الديني، لكن نلاحظ إقبالا مكثفا للمغاربة على داعش وغيرها، لماذا؟

 إن الحضور المغربي ضمن مقاتلي داعش بهذا الحجم الكبير على ما يبدو أن مصدره راجع إلى قناتين، الأولى القناة الأوروبية بالأساس، وهذا مرتبط بسياقات لا علاقة للمغرب بها، وإنما بعموم وضعية المهاجرين المغاربة أو غيرهم ضمن الفضاء الأوروبي. أما عن أولئك الذين يلتحقون بداعش من داخل الأراضي المغربية، فيمكن تفسير ذلك  بعدة أسباب متداخلة، من بينها حالة الإحباط التي تعيشها بعض مكونات التيار السلفي نتيجة التضييق الذي عرفه هذا التيار، لاسيما بعد أحداث 16 ماي، ما يجعله يبحث عن متنفس ضمن الفضاءات القتالية في سوريا والعراق. ثم إن هذا التيار عموما يعرف حالة من النبذ المجتمعي نتيجة تمايزه على المستوى الديني والمظهري عن عموم المواطنين المغاربة، كما إن إغلاق دور القرآن باعتبارها حاضنة لهم جعلهم يبحثون عن محاضن خارج الوطن، لاسيما في ظل وضعية اجتماعية تتسم بالتفكك الأسري، وانكسار الحواضن التقليدية من قبيلة وعشيرة ضمن فضاءات المدن الحديثة.  

الحسن مصباح أستاذ جامعي بجامعة محمد الأول بوجدة

شارك المقال