يواصل المكتب الشريف للفوسفاط تنفيذ استراتيجيته التي انطلقت في السنوات القليلة الماضية، والتي تقوم على تصنيع مكثّف والانتقال من تصدير الفوسفاط الخام إلى تزويد العالم بمشتقات مصنّعة، خاصة منها الأسمدة الفلاحية التي تعتبر أحد أهم ضمانات الأمن الغذائي في العالم في السنوات المقبلة.
انطلاقا من صباح أمس الاثنين، وعلى مدى ثلاثة أيام، تحتضن مدينة مراكش الدورة الثالثة من المناظرة الدولية حول الفوسفاط، المعروفة باسم «سيمفوس». عضو اللجنة المنظمة والإطار بالمكتب الشريف للفوسفاط، رشيد بوليف، قال في ختام الجلسة الافتتاحية للمنتدى إن 1300 مشارك يتوزعون على 48 دولة من القارات الخمس، يجتمعون طيلة ثلاثة أيام بمراكش، لتبادل الخبرات والتجارب المتعلقة بتثمين واستغلال الفوسفاط وذلك تحت شعار: «الابتكار في الفوسفاط خدمة فلاحة مستدامة».
الاستراتيجية التي وضعها المدير العام الحالي للمكتب، مصطفى التراب، والقائمة على التصنيع واستخراج مشتقات الفوسفاط، خاصة منها ذات الاستعمال الفلاحي، منحت المغرب دورا استراتيجيا في الدبلوماسية الدولية في السنوات الأخيرة، حيث كشفت فرنسا إثر انتهاء الأزمة الدبلوماسية الأخيرة مع المغرب، عن حرص شديد على «مرافقة» المكتب الشريف للفوسفاط في مشاريعه الإفريقية الجديدة، فيما خصّصت جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية ذائعة الانتشار، أحد مقالاتها التحليلية متم 2014، لموضوع الأخطار التي يمكن أن يسبّبها أي اضطراب للوضع الأمني للمغرب، على باقي دول العالم بسبب الاعتماد الكبير على الصادرات المغربية من الفوسفاط. خبير أمريكي متخصّص في رصد الاستثمارات العالمية في مجال الفوسفاط، اسمه جيريمي غرانتهام، حذّر من أزمة غذائية عالمية في حال أصيب المغرب بالاضطراب بسبب تنامي بؤر التوتر في محيطه، معطيا المثال بمالي وليبيا ومصر.
الجلسة الافتتاحية للمنتدى خُصّصت لتقديم «درس أمريكي» في مجال الابتكار والتجديد المقاولاتي، قدّمها الخبير القادم من ولاية كاليفورنيا، روبرت تاكر. هذا الأخير ألقى عرضا بالطريقة الأمريكية، شرح فيه كيف أصبح الابتكار والتجديد عاملا محددا في مصير المقاولات وديمومتها. المحاضر الأمريكي قال إن التحدي الأكبر المطروح على هذه الصناعة الفوسفاطية اليوم، «هو إطعام مليارين ونصف مليار إضافي من البشر، وهذا ما يتطلب الكثير من الابتكار». الخبير الذي أصبح كتابه حول الابتكار المقاولاتي مرجعا عالميا، قال إن «علينا أن نبتكر في طريقة ابتكارنا، لأن طريقتنا اليوم قد لا تكون كافية للمستقبل، الرأسمال الحقيقي للمقاولات اليوم هو الأفكار، هذه هي القيمة الحقيقية». ولخّص المحاضر الأمريكي وصفته في تحفيز وتشجيع جميع العاملين في المقاولة الراغبة في التطور، على إنتاج الأفكار والتجديد.
وضرب روبرت تاكر المثال بنماذج ناجحة في الابتكار وأخرى فشلت بسبب تخلّفها فيه، وفي مقدّمتها شركة «نوكيا» التي انهارت بعدما تجاوزتها كل من «آبل» و»سامونغ» في مجال الهواتف الذكية. في المقابل ضرب الخبير الأمريكي مثالا قال إنه وقف عليه خلال دراسة ميدانية، لموظفة بسيطة في إحدى المقاولات، حازت الجائزة الأولى في مجال الابتكار، رغم أنها مجرد مستقبلة مكالمات. الموظفة أوضحت أن سرّ تفوّقها يكمن في أن المقاولة فتحت الباب أمام جميع العاملين فيها لتقديم الأفكار الجديدة، فعمدت إلى عدم الاكتفاء بالإنصات لمكالمات الزبناء والدفاع عن المقاولة، بل أخذت تسأل المتّصلين عن اقتراحاتهم لتجاوزها المشاكل التي يشتكون منها، ومن ثم تسجلها وتقديمها لإدارة المقاولة.
رهان المكتب الشريف للفوسفاط على التجديد والابتكار، تجسّد في استراتيجيته الجديدة التي ساعدته في السنوات الأخيرة لمواجهة تراجع الأسعار العالمية للفوسفاط الخام، حيث باتت المشتقات المصنعة تمثل جزءا مهما من صادراته، ما يمكّنه من التحكّم أكثر في الأسعار وتسجيل مردودية أكبر. والأهمية الاستراتيجية للمكتب الشريف للفوسفاط، ارتفعت أسهمها في البورصات العالمية في الفترة الأخيرة، بفضل الدور الذي بات هذا الذراع الصناعي للمغرب يلعبه في النهج الإفريقي في السياسة الخارجية للمغرب. المعطيات الإحصائية تقول إن المكتب ضاعف صادراته من الأسمدة الفلاحية الموجهة نحو إفريقيا خلال سنة واحدة، أي بين 2013 و2014. فيما أعلن المكتب بمناسبة الجولات الملكية الأخيرة في إفريقيا، عن إحداثه خطا إنتاجيا جديدا مخصصا بالكامل لإفريقيا، وهو ما أدخل المغرب في قلب الدينامية الاقتصادية العالمية لينافس القوى الكبرى الساعية إلى استثمار القدرات الإنتاجية الكبيرة لإفريقيا في المجال الفلاحي.