في هذه السلسلة، يعود محمد رفيقي أبو حفص، الذي سجن لسنوات بسبب قضية إرهاب، إلى الوراء ليستدعي سنوات السجن، لكن هذه المرة متحدثا عن المراجعات، مميزا بينها وبين التراجعات.
أبو حفص يكتب ليؤرخ، في هذه السلسلة، تجربة ذاتية، وليرصد بعض التجارب المحيطة، وليضع ملاحظاته على هذه التجارب، وليقدم للباحثين في الموضوع مادة مرجعية ترفع عنهم عبء كثير من التتبع الدقيق والفك لكثير من المتشابك.
هلو لا يجد حراجا في القيام بالمراجعة الواجبة، فالعملية بالنسبة إليه سلوك طبيعي وفطري قبل أن تكون تحولا فكريا تمليه دوافع معرفية أو واقعية، « فالبناء الذي لا يخضع لعمليات الإصلاح والتجديد والتقويم يتعرض للسقوط، وهكذا البناء الفكري والمعرفي، ما لم يستجب للتغيرات وما لم يتفاعل مع التحولات المحيطة به يتعرض للانهيار »، حسب قوله.
مراجعات لا تراجعات
كثر اللغط عن موضوع المراجعات عند التيارات السلفية، وأصبح حديث كثير من منابر الإعلام، وخاض فيه المتخصص والمتطفل والباحث ومدعي البحث، وغاب عن تفصيل المقال فيه- على الأقل في الحالة المغربية- المعنيون بالموضوع، وانقسموا بين متبن لهذه المراجعات ومنكر لها، وبين مثبت لها ومتبرئ منها، ولم يفصل المتبنون لها في أسباب التبني وسياقاته، ولا في دوافعه وظروفه ومقتضياته، وتشدد المنكرون في إنكارهم مع بروز متغيرات عملية لا يمكن تصنيفها إلا في خانة المراجعات أو التحولات، رافق كل هذا غياب كتابات تأصيلية في الموضوع يمكن الاعتماد عليها، مما ترك مساحات غامضة وخيوط متشابكة عند كل خائض فيه.
فمن هذا المنطلق، تأتي هذه السلسلة لتؤرخ لتجربة ذاتية أولا، ولترصد بعض التجارب المحيطة، ولتضع ملاحظاتها على هذه التجارب، ولتقدم للباحثين في الموضوع مادة مرجعية ترفع عنهم عبء كثير من التتبع الدقيق والفك لكثير من المتشابك.
أحاول في هذه السلسلة عقد مقارنات بين التجربة المغربية ونظيرتها في باقي الدول التي عرفت مسارا متشابها، وتمييز ما تم التراجع عنه وما خضع فعلا للمراجعة، وبيان سياق ذلك وإن كان اقتناعا ذاتيا أملته تحولات السن وتجارب السجن، أو كان ذلك تحت ضغط ظروف خارجية مؤقتة؟ كيف بدأ هذا المسار داخل السجون المغربية؟ وكيف استقبل من طرف باقي المعتقلين؟ وما هي المناقشات التي ترتبت عليه، وكيف تطور الموضوع من مجرد بيانات حقيقة ومرافعات عن المظلومية القانونية إلى مراجعات فكرية قد تكون جذرية في بعض الأبواب والمحاور؟ هل هي مراجعات صادقة وحقيقية أم مجرد تكتيكات وتقية للتخلص من قيود السجن وأغلال الحبس؟ ما هي نقاط التحول ومحطات التعريج؟ ما هو سقف هذه المراجعات وحدها؟ وغير ذلك من الأسئلة التي قد تطرح نفسها بين يدي الموضوع دون إعداد مسبق.
وقبل الخوض في كل هذه التساؤلات والتنقيب في ملفات السنوات الفائتة حول هذا الموضوع، أحب التذكير بأن عملية المراجعة والتصحيح سلوك طبيعي وفطري قبل أن تكون تحولا فكريا تمليه دوافع معرفية أو واقعية، فالجسم الذي لا ينشط دورته الدموية بالتبرع بالدم وتغييره بين الفترة والأخرى يتعرض للذبول، والبناء الذي لا يخضع لعمليات الإصلاح والتجديد والتقويم يتعرض للانهيار والسقوط، وهكذا البناء الفكري والمعرفي، سواء كان ذلك عند الأشخاص أو التنظيمات، ما لم يستجب للتغيرات وما لم يتفاعل مع التحولات المحيطة به يتعرض للانهيار، وفي أحسن الأحوال للجمود القاتل الذي يجعل صاحبه خارج سياق التاريخ، فتصحيح المسارات، ونقد الذات، ومراجعة النفس، مع التواضع والإقرار بالنقص والخلل، والشجاعة في الإقرار، والاستعداد للتفاعل والتغير، هذا ما يمنح القدرة على الاستمرار ومواجهة التحديات، ويسهل عملية الاندماج في الحياة العامة، ويضمن عدم التقوقع في هامش التاريخ والواقع.
والمرء حين يعظم عنده حسن الظن بنفسه، ولا يرى العيوب والنقائص إلا في غيره، ويداخله العجب من حيث لا يدري، ويستنكف العودة عن الخطأ، ويطمئن إلى نفسه الخادعة، ويستلذ ثناء الأتباع ومدحهم، فاعلم أنها نهاية المسار والمشروع.
حين لا يتسع صدرك لنقد نفسك قبل أن ينقدك غيرك، ويضيق عطنك عن إصلاح ذاتك قبل أن يتدخل غيرك، وحين تعتقد حيازتك للحق، وبلوغك للكمال أو تكاد، وامتلاكك للمطلق فاعلم أنه الفشل.
المراجعة ثقافة إسلامية أصيلة، رسخها القرآن في نفوس الجيل الأول الذي تلقى الوحي وعاش فترة البناء والتأسيس، فبعدما وقع يوم أحد، والهزيمة الميدانية والخلل المنهجي، نبه القرآن إلى عدم تعليق الهزيمة على أسباب داخلية، فذلك الخيار السهل، وأرشد لما هو أصعب وأصوب، توجيه النقد للذات : (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم).
ولا زال علماء المسلمين المبرزين في كل الأبواب يغيرون أقوالهم ومواقفهم وتصوراتهم تبعا لتفاعلهم مع محيطهم وواقعهم المتغير، فمذهب الشافعي في مصر غير مذهبه بالعراق، لتغير البيئة والسياق وتغير الشافعي نفسه من مرحلة عمرية إلى أخرى، ولأحمد بن حنبل في نفس المسألة أكثر من قول تبعا للتغيرات الطارئة على المفتي والمستفتي وسياق الفتوى، ولا زال التاريخ ينقل وقائع تحول كثير من الأعلام من تصور إلى غيره، كما فعل أبو الحسن الأشعري بعد ثلاثين سنة من الاعتزال، ليؤسس مذهبا خاصا قائما على نقد مذهبه القديم.
محطات التحول في حياة الإنسان مظنة فخر له واعتزاز، وليس بالضرورة تراجعا ونكوصا وخيانة للحق والمبدأ.