الزملاء!!

24/06/2015 - 01:38
الزملاء!!

فقأ طائر عين طفل، فَطَمْأنَ القاضي قراقوش وليّ أمره قائلا: «اسمع يا هذا، لقد أغلقنا أبواب المدينة، ولن يعود العسس إلاّ والطائر الجاني معهم»، فدُهِش الأب وابنه ولاذا بالفرار !!
ذكرتني حكاية قراقوش هذه، بحكاية «الزملاء» التي قصتها علينا مسودة القانون الجنائي في باب التحرش، وإنَّهُ لسَبْقٌ قانوني غير معهود أن يضيف القانون الجنائي جانيا جديدا، إلى جانب الأصول والفروع والمربين والموظفين والقضاة والعدول، وما سواهم ممن شدد في حقهم العقاب متى أتوا سلوكا إجراميا!!
وقد حك أحد المساهمين في جَلْبِ هذا الجَانِي رَأْسَهُ قائلا: «تحولت الإدارة إلى مَاُخورِ، وأَدْخَلَ بعض رؤسائها في خانة نشرة التَّنْقِيط زينة النساء، ولم تُمَانِع بعضهن، فشددنا العقاب، فالموظفون سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين أنثى وذكر في الترقية».
ترك المشرّع المغربي الأصدقاء والنّدماء والخلان فلم يأبه برابطتهم، ولم يشأ أن يُعَرِّفَ ما مدلول كلمة «زميل»، وانبرى أحدهم للدفاع عن الفكرة، ويبدو أن ما قاله مِن مَحَفْوظَاتِنا على يد أساتذتنا مأمون الكزبري وخالد عيد إذْ قال: «القانون لا يعرف المصطلحات، فذلك شأن الفقه والاجتهاد، فيمكن للقاضي أن يعتبر مَثلا المحافظ على الأملاك العقارية، الذي قد يتحرش بمُوَّظفةٍ بالمحكمة أو العكس، زميلا، على اعتبار أن معيار التقاطع هنا هو الخِدمة القانونية المشتركة بينهما، فهما بهَذَا المعنى زملاء. وقس على ذلك باقي المهن القضائية والقانونية التي تجمعها طبيعة الخدمة وتفرقها المرافق التي تمارس داخلها».
هذا، وتشدد أحد الشارحين قائلا: «لقِيام وصف «الزمالة» لابد من وجود الجاني والضحية في مكتب واحد أثناء العمل أو أن يفصل بين مكاتبهما حائط زجاجي شفاف»، ولعل المشرّع المغربي كان يتنبأ بمقدم «الزميل» جَانِيًا جديدا على القانون الجنائي عندما أمر المقاولين بِدكِّ الجدران الفاصلة بين المكاتب، وهو الرأي الذي لم يقبل به أحد المتزمتين عندما صاح قائلا: «الإدارة هي التي ساهمت في انتشار التحرش، لماذا حطمت الأسوار، فإذا بالإدارة مثل سوق مركزي يختلط فيه الحابل بالنابل»!!
ولم يسلم مصطلح «الزميل» أيضا، من نقد لاذع من طرف أنْصَارِ حقوق الإنسان ونبذ التمييز العرقي، فاعتبروا المبادرة توجه نحو التمييز الوظيفي وتكريس طبقي غير محمود لقواعد القانون، فأعوان الخدمة زملاء لبعضهم البعض، فإذا تحرشوا فيما بينهم كانوا زملاء، وهم ليسوا كذلك، إذا ما تحرشوا برؤسائهم. فلا يمكن اعتبار الحارس الخاص لمرأب سيارات الإدارة زميلا للمديرة أو رئيسة القسم، والعكس بالعكس. ومن شأن ذلك أن يشدد العقاب في فئة من الموظفين دون فئة أخرى، وهذا ما يُخَالف التعريف الذي قرأناه في السنة الأولى لكلية الحقوق بأن القاعدة القانونية عامة ومجردة!!
ويبدو أن الرزانة بدأت تأخذ مجراها عندما علَّق أحدهم على الموضوع قائلا: «والله إنه الحمق بعينه، فالغاية التي كنا نتوخاها هي استغلال النفوذ «الوظيفي» للتحرش بين الجنسين، فالذي أو التي تملك سلطة معنوية على الآخر أو الأخرى قد يتحرش بها أو تتحرش بهِ، وتُسِيء إليها أو تُسِيء إليْه وظيفيا عند المقاومة، فهذا هو مناط التجريم والتشديد، أما الحالات العادية فلا إشكال بها.
لذلك، على النيابات العامة أن تطلب الملف الإداري لجناة التحرش وضحاياه للوقوف على الدرجات والرتب، وألا تتابع بفقرة «الزميل» إلاّ الذي ثبت أنه أعلى درجة أو رتبة من ضحيته، باعتباره قَصْداً جنائيا خاصا لتلبية مطلب جنسي على حساب الوظيفة!!
ويبدو أن أحدا لم يفهم الرجل، أما الذي سُرَّ لهذا الإنجاز الفريد، فهو صديقي المحامي، حيث عبر عن ذلك قائلا: «معيار الزمالة لتشديد العقاب أضاف لنا فقرة جديدة في مرافعاتنا»، سندافع عن موكلينا قائلين: «أيتها النيابة العامة، اثبتِي لنا أن الماثل أمامكم زميل لمن تتهمه بالتحرش، خصوصا وأن مفهوم الزمالة واسع وفضفاض. أجل، المعنيان بالأمر كانا زميلي الدراسة، أمّا أن نعتبر كل من يؤدي خدمة داخل الإدارة زميلا، فهذه إدانة مجتمعية غير مقبولة. المحكمة مليئة بالمحامين والخبراء والمفوضين القضائيين والتراجمة، وكتّاب الضبط والموثقين والشهود، فهل إذا تحرشوا ببعضهم البعض اعتبروا زملاء، ثم إن موكلي موقوف عن العمل، فهل يتوقف ظرف الزمالة إذا توقف المتحرش عن الخدمة، خصوصا وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص».
أعجبني رأي الرجل، وأضفت قائلا: «يجب أن تكون الزمالة قائمة وقت قيام الجريمة، أما إذا خرجنا إلى الشارع، فنحن غير زملاء. فقد تحل الصداقة أو الحب محل الزمالة. ولابد من تنظيم ندوة وطنية للتفريق بين هذه المصطلحات قبل أن ندخل إلى حيز التطبيق!! ويبدو أن وظيفة المشرّع أصبحت شُغْلَ مَنْ لا شغْلَ لَهُ وها أنت ترى».
ومِنْ بَابِ إحِقْاق الحق لو تركنا المصطلح عاما، مثل طائر قراقوش الذي يحلق في السماء وأسوار المدينة موصدة!!
رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين
Fmjc.maroc@gmail.com

شارك المقال