أبو حفص يكتب : مراجعات لا تراجعات (الحلقة الثانية)

24/06/2015 - 22:00
أبو حفص يكتب  : مراجعات لا تراجعات (الحلقة الثانية)

مراجعات لا تراجعات  في أي سياق؟ كما في باقي الدول أم كان الاستثناء -الجزء الأول-

حاول كثير من الباحثين والمتابعين ربط موضوع المراجعات المغربية بسياق سلسلة من المراجعات في باقي الدول التي عرفت تجارب مراجعات مشهورة، وأعلنت فيها التنظيمات التي كانت مسلحة وضع سلاحها، والقبول بعملية الاندماج السلمي في المجتمع، والتعايش مع مختلف التيارات والاتجاهات ،ومن أبرز هذه التجارب طبعا التجربة المصرية، ثم ما تلاها من تجارب بليبيا والسعودية وموريطانيا.

في ظل هذا السياق جاء الحديث عن المراجعات المغربية ، ومحاولة قراءتها بنفس المنظور والمنهجية، مما جعل المخرجات بعيدة عن الدقة مجانبة في كثير من الأحيان للصواب والموضوعية. فلا السياق هو السياق، ولا التجربة هي التجربة، ولا النسق هو النسق، ولا الدوافع هي الدوافع، نحن إزاء تجربة مختلفة في كل هذه الجوانب، نعم قد تشترك – باستثناء التجربة المصرية – في كونها ظهرت في فترة زمنية متقاربة ، وهي ما يمكن أن نسميه بانحسار الفكر الجهادي الذي كان متوهجا بداية الألفية الثانية، وبلغ الأوج بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، لكنه سرعان ما عرف ارتدادا سريعا بفعل الحملات الأمنية من سجن غوانتانامو بكوبا إلى المعتقلات السرية والسجون العلنية بكل هذه البلدان، وبفعل ضياع حلم الدولة الإسلامية بطالبان ، والتي كانت في الوقت ذاته نموذجا للحلم ومأوى وقاعدة خلفية ومعسكرا إعداديا لهذه التنظيمات ، تلاها سقوط دولة العراق، دون أن نغفل اعتقال أكبر المنظرين للفكرالجهادي وأقصد عمر محمود أبي عمر، المعروف بأبي قتادة الفلسطيني، وعاصم طاهر البرقاوي المعروف بأبي محمد المقدسي ، وسيد إمام عبد العزيز المعروف بالدكتور فضل أو كما كان يسمي نفسه في كتبه : الدكتور عبد القادر بن عبد العزيز، ومصطفى بن عبد القادر المعروف بأبي مصعب السوري، ومحمد عبد المجيد حسن قايد المعروف بأبي يحيى الليبي.

فاعتقالات 16 ماي وما قبلها وما بعدها تزامنت مع هذه الموجة، مما أنتج تقاربا تزامنيا فهم منه وحدة السياق، مع أن عوامل الاختلاف أكثر من عوامل الاشتراك، ففي كل هذه التجارب عرفت تلك البلدان قيام تنظيمات مسلحة بالمعنى الحقيقي للتنظيم، من وجود الإطار والجماعة الملتفة حوله والهدف المرسوم والأدبيات المؤصلة ، فضلا عن تحويل البرامج إلى أعمال تنفيذية وعمليات مسلحة خلفت أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى، وخرجت البيانات من هذه التنظيمات متبنية لهذه العمليات مهللة لها متوعدة بغيرها.

فالجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد بمصر تنظيمان مسلحان دخلا في مواجهات عنيفة مع النظام المصري لسنوات عديدة، وأصلا لذلك بأدبيات معروفة وتبن واضح لثقافة العنف والتفجير، وفتاوى التترس وقتال الطواغيت وأولوية العدو القريب على العدو البعيد، ثم كان اعتقال الآلاف من أبناء التنظيمين من القواعد والقيادات، فكان إعلان المراجعات ومبادرة وقف العنف عام 1997 انقلابا واضحا في المسار ومراجعة جذرية للمسار السابق. ومثل ذلك خرجات سيد إمام الأخيرة سواء في وثيقة ترشيد العمل الجهادي أو في كتابه التعرية ردا على أيمن الظواهري،و التي قطعت جذريا رغم اضطرابها وما يطغى عليها من تصفية الحسابات القديمة مع زمن التأصيل الممنهج من طرفه لثقافة التكفير والعنف بشكل جاوز به كل من سبقه كما في كتابيه المشهورين (الجامع في طلب العلم الشريف)و(العمدة في إعداد العدة) .

وقل مثل هذا في الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية التي حملت السلاح في وجه معمر القذافي وكادت أن تصل لاغتياله ، ثم بعد الاعتقالات التي طالت زعماء التنظيم وقواعده كانت المراجعات المشهورة عام 200، والتي رعاها سيف الاسلام القذافي وتولى مهمة الوساطة فيها الدكتور علي الصلابي. وفي السعودية وموريطانيا وإن لم يأخذ مسار المراجعات نفس حجم التجربتين السابقتين، لكن حملات المناصحة والمراجعة استهدفت عددا كبيرا من الجهاديين الذين انتموا لتنظيمات مسلحة حقيقية غير موهومة، سواء تعلق الأمر بتنظيم القاعدة في بلاد الحرمين بالسعودية أو التنظيمات المسلحة المتفرعة عن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بموريتانيا، وقد كانت نتيجة هذه المراجعات تراجع كثير من المعتقلين عن مسارات العنف وعودتهم للحياة المدنية واندماجهم التام وسط المجتمع. فهل كان سياق المراجعات المغربية متشابها مع هذه السياقات؟ أم أن له قصة أخرى وظروفا مغايرة ودوافع مختلفة؟ ذلك ما سنتعرف عليه في الحلقة القادمة بإذن الله.

شارك المقال