اختلاف السياق: الجزء الثاني
هل عرف المغرب تيارا جهاديا؟ ولماذا لم ينتج هذا التيار تنظيما ؟
القول باختلاف السياق في حالة المراجعات المغربية ليس رغبة روتينية في ادعاء الاستثناء ، فكثير من دعاوي الاستثناء تتهاوى أمام واقع معولم لا يستثني أحدا ولا تفضيل عنده لبقعة على بقعة ، لكنه هنا الواقع الذي لا يمكن رفعه ولا تحريفه، ونقاط الاختلاف بين سياق المراجعات السابقة وسياق المراجعات الحالية يمكن اختصاره فيما يلي:
لم يعرف المغرب قبل أحداث 16ماي تنظيمات مسلحة، ولا جماعات إسلامية مناهضة للنظام، رفعت السلاح في وجهه، ولها قياداتها المعروفة، وكتاباتها المرقونة، وعملياتها المسلحة التي تتبناها بكل فخر واعتزاز، وتعلن مسؤوليتها الكاملة عنها دون تردد.
وهذا لا يعني أن التيار الجهادي لم يكن له تواجد قبل هذه الأحداث، فلا زال هذا التيار يجد له أنصارا وممالئين وأتباعا، بل عرف وسط وأواخر التسعينات من القرن الماضي اكتساحا للطبقة الفقيرة والمتوسطة، واختراقا حتى للطبقة البورجوازية،مستفيدا من تحول كثير من الشباب من السلفية التقليدية إلى الجهادية، بعد ما وقع بحرب الخليج ونزول القوات الأمريكية بأرض الجزيرة العربية ،والانقلاب على المسار الديمقراطي بالجزائر.
في ظل حالة غير مفهومة أحيانا من التراخي الأمني مع الأدبيات الجهادية، فلم يكن غريبا أن تجد بائع الكتب على باب المسجد قد وضع على فراشته (تأملات في المنهج ) لأبي قتادة أو (ملة إبراهيم) لأبي محمد المقدسي، أو كتاب (الطاغوت )لأبي بصير الطرسوسي، وعلى جانب الفراشة رتب بإحكام أشرطة فيديو لأبي طلال القاسمي وعمر عبد الرحمن وجحيم الروس الأول والثاني، بل قد تجد عنده سلسلة كاملة من الأشرطة كدورة الإيمان لأبي قتادة أو أي سلسلة أخرى له أو لغيره في الرد على من يسمون (المرجئة)، العدو اللدود والتقليدي للتيارات الجهادية.
وحالة مفهومة في سياق تشجيع المد السلفي وفتح كل الأبواب له لمواجهة المد الحركي الصوفي المعارض للنظام، فكان ذلك الانتشار السريع والزحف لدور القرآن في كل ربوع المملكة، وذلك الإسهال في تأليف الكتب والمقالات المحذرة من جماعة العدل والإحسان باسم الدفاع عن السنة ومحاربة البدعة.
تزامن كل هذا مع بروز القاعدة أو إرهاصاتها، من خلال تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك عام 1993،والتحالف مع طالبان التي استولت على غالب الأراضي الأفغانية وفتحت أراضيها لكل جهاديي العالم، إلى تفجيرات الرياض والخبر، فتأسيس الجبهة العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين، وما تلاها من عمليات نوعية كتفجير سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية بنيروبي ودار السلام، وقصف المدمرة البحرية الأمريكية كول بالصواريخ ساحل اليمن.
كل هذا أعطى الشباب المغربي المتحمس والمتأثر بواقع الانهزام والتخلف زخما من ثقة النفس وإيمانا أكثر بأن المشاريع الجهادية خاصة العالمية منها، هي الحل لكل أزمات العالم الإسلامي والمخرج من حال التبعية والخضوع لقوى الاستكبار العالمي.
ومع كل هذا الارتخاء من جانب الدولة، والحماس المتقد من جانب أبناء التيار الجهادي، لم يتطور ذلك كله إلى تنظيم أو تنظيمات حقيقية، بفعل المرجعية السلفية التي لا تومن بالتنظيم أساسا، وحتى حين تومن به كما يقع للشباب المتحول من سلفية تقليدية إلى جهادية، يكون إيمانا يطبعه كثير من التردد وعدم القدرة على الانضباط .
وبفعل الفوضوية الواسعة التي طبعت الفكر السلفي عموما والجهادي خصوصا، فاختلفت الرؤى داخل التيار نفسه بين مؤمن بالجهاد العالمي الذي لا بد فيه من استئصال رأس الأفعى -الولايات المتحدة الأمريكية- وضرب مصالحها في كل الدول إضعافا لها، وبين من يرى وجوب التخلص من الأنظمة الحاكمة بأوطاننا عملا بمبدأ ( العدو القريب أولى من البعيد)، وتمثلا في نظرهم لقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)، بين من يرى التوسع في قتل الأبرياء بدعوى نظرية التترس، ومن يضيق ذلك لأبعد الحدود وبتشدد فيه، بين من يرى جواز استهداف الغربيين من المدنيين، واعتبارهم جميعا أهل حرب حلت دماؤهم ولذت أموالهم، وبين من يرى عصمة دمائهم وأموالهم ما لم يشاركوا في حرب أو يعينوا عليها، بين من يرى في التأشيرات والجنسية والإقامة واللجوء عقودا فاسدة باطلة المقتضى والأثر، ومن يعتبرها عهودا وعقود أمان واستئمان واجبة الوفاء والرعاية، بين من يرى في الأجانب السياح مفسدين حلت دماؤهم ولا أمان لهم ،ومن يراهم مستأمنين ولو كان الأمان من حاكم كافر، وغير ذلك من الخلافات التي يدركها كل متتبع لمسار الحركات الجهادية بالعالم الإسلامي.
ما أثر هذه الخلافات على الساحة المغربية؟ وما هي أبرز تشكلات التيار؟ وما هي نقطة الاختلاف الأخرى بين التجربة المغربية وباقي التجارب ؟ ذلك ما سنعالجه في الحلقة القادمة بإذن الله.