اعتاده القراء والباحثون أستاذا أكاديميا متخصصا في أكثر المواضيع حساسية وتعقيدا. يطرح الأسئلة المقلقة، ويسائل التاريخ البعيد والقريب من زاوية الأنتربولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ، وهو المنطلق من تخصص اقتصادي. كتب عن «العبد والرعية» في أحد أشهر كتبه، وأشرف على كتاب نشره مجلس الجالية المغربية في الخارج يشرح معاني أسماء الله الحسنى ويكشف جماليتها. شرّح «المخزن» في منطقة سوس الأقصى، ووضع العبودية تحت المجهر في علاقتها بالإسلام. هو حاليا أحد أكثر الكتاب والمفكّرين نشاطا وحضورا في الشبكات الاجتماعية، في تدوينات شبه يومية تعلّق وتنتقد وتفسّر. هذا الركن فسحة جديدة لـ«تدوينات» مختلفة، ترصد تحوّلات الواقع بعين محمد الناجي.
الموت تحت الأنقاض،الموت تحت هشيم منازل غدت لحدا للدفن، الموت المجاني من أجل لا شيء، هكذا أتى هذا الموت، أتى في التراب دون أن تواكبه أي مخاطر، أتى ليخيم في هذا المكان المشؤوم الذي تعبره الكواسر الشريرة في عجلة دون إبداء أدنى اهتمام لسلامة المواطن. يمكن أن يجرف المرْء انهيار جليدي، لكنه سيواجهه متحدياً الطبيعة. ويمكن للمرء أن يموت ارتطاما بتسونامي، الذي على الأقل لا يميز بين الأغنياء و الفقراء، فهو جزء من الوجود الإنساني منذ بداياته. لكن أن تموت هكذا، كما مات هؤلاء المواطنون الفقراء البيضاويون المساكين، هو أكثر من كارثة، إنه وصمة عار.
لقد هزت هذه الدراما أنفسنا وأضرمت نارا في قلوبنا، لكنها كشفت وبعمق عن أشياء كثيرة، و نطقت بشكل صريح بكون الإنسان في وطننا لا يساوي حتى مسمارا، وربما حتى المسمار يفوق قيمته فيتقشف سماسرة المعمارفي استعماله، وربما بغيابه قد تولدت هذه الكارثة.
بالأمس، كانت الموت شيئا طبيعيا متفشيا في وسط البلاد، في الوقت الذي تنتشر فيه الأوبئة، أو ببساطة في الزمن الصعب بسبب سوء التغذية ونقصها وعدم وجود علاجات مناسبة. لكن اليوم هناك دولة والكثير من المصالح العامة من مستشفيات وطائرات ورجال الإطفاء وعلى الرغم من ذلك يموت المواطن العادي تحت الأنقاض دون إثارة أدنى انزعاج لدى الأغنياء الذين اتخذوا كل الإجراءات للوقاية من الأمراض وتجنب انهيار منازلهم المبنية وفق معطيات آمنة.
بالأمس، كانت الموت طبيعية وعادية، واليوم غدت اجتماعية وسياسية، فبهذا الحدث الغير مقبول، يقولون لنا: أنتم المواطنون ليست لكم أي قيمة تذكر، ويمكن أن تموتوا بشكل جماعي دون إثارة أي إزعاج أكثر من اللازم، أنتم المواطنون الصفر، إذن، هيا موتوا تحت الأنقاض أو في أي مكان شئتم.
في هذه اللحظات، أصبح الموت يباغت الإنسان العربي، بسخاء دون أن يحقق أدنى اكتفاء، فهو يعايشه تحت القصف الأمريكي، وتحت القصف الإسرائيلي، تحت الطلقات النارية لجيوشه النظامية، إنه يموت في أقبية جنودهم، أو تحت أنقاض المباني، وكل هذه المنايا هي موت واحدة تذكره بلا جدواه وبتفاهة وجوده ولا معناه. إن المواطن العربي عابر سبيل مجهول، إنه كومة غارقة في اللامبالاة القاتلة، كائن من الغبار الذي يبعث عليه حيا وميتا، وهؤلاء الدعاة الواعظون عوض أن يعرفوه بحقوقه، فهم يعززون هذه اللاجدوى ويجعلونها سمة في جبهته، فالفناء سيصير وسيشيدون له الخلود الذي ينتظره في الجنة.
(نص كتب بعد انهيار مبنى في حي بوركون في الدار البيضاء)
* ترجمة: بشرى الزاوي