صراع الإخوة الأعداء و ضهور تيار الميلودي زكريا
كانت أواخر التسعينات فترة توهج التيار الجهادي، وانتشار كتبه وأشرطته بمختلف المكتبات وأبواب المساجد ، استطاع التيار استقطاب فئتين من الناس:
تكفيريون سابقون، ممن كانوا لا يصلون في مساجد المسلمين، ولا يأكلون من ذبائحهم، ويرون كفر الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله، ومعه كفر كل المحكومين الذين قبلوا بحكم هذا الحاكم.
فلما اطلعوا على بعض الكتب المحذرة من التكفير، أو التي تشرح ضوابطه ، تراجعوا عن تكفيرهم للمجتمعات، لكنهم وجدوا أقرب الناس لهم منهجا وفكرا وحماسة هم أبناء التيار الجهادي، الذين لهم موقف واضح من الحكام، ولهم مرجعية مشتركة تمثلها كتب الدعوة النجدية المعظمة عند الفريقين، فلهذا كان التحاق أفواج كثيرة من التكفيريين بهذا التيار.
سلفيون تقليديون، من الذين تأثروا بمبادئ الدعوة السلفية المعاصرة، وانبهروا بدعوة العودة إلى الدليل، ونبذ التقليد والتمذهب،ونصرة السنة، وإحياء منهج السلف، وتصحيح العقائد، وتأثروا بسمعة الشيخ بن باز، وشروحات الشيخ بن عثيمين على المتون العقدية، واستمعوا لكل أشرطة سلسلسة الهدى والنور للشيخ الألباني، ولم يخرجوا عن هؤلاء الثلاثة في اختياراتهم وفتاويهم.
لكن حرب الخليج وظهور التيار الصحوي بالسعودية، واعتقال سلمان العودة وسفر الحوالي ومن معهما من المشايخ، ثم ما عرفه العالم من صراعات كان المسلمون فيها طرفا ضعيفا، بل تعرض فيها المسلمون للتنكيل والاستضعاف ، في ظل خذلان للمجتمع الدولي وقلة إنصاف، كما وقع في البوسنة والهرسك، ثم في كوسوفا بنفس الهمجية والخذلان، وما كان ببلاد القوقاز، مع تداعيات القضية الفلسطينية التي لا يتوقف نزيفها، كل هذا زرع خيبة وخذلانا في نفوس كثير من الشباب السلفي، دفعه للبحث عن بديل يستطيع فيه الحفاظ على أسسه التي تميزه عن الحركات الإسلامية، التي يراها زاهدة عن العلم الشرعي ، غير معظمة للسنة والسلف، لا ترفع بالدليل رأسا، ولا تلتزم بالتأصيل منهجا، وفي الوقت ذاته يستطيع التفاعل بقوة مع هذه الأحداث التي تحرك قلوب هؤلاء الشباب وتدغدغ عواطفهم.
فكان التيار الجهادي حينئذ جاهزا لاستقطابهم، واعتمد في ذلك على تفنيد أطروحة الطرف الآخر، فتوالت الردود والتعقيبات، واتسمت بحدة بالغة لدرجة إطلاق الشيخ الفزازي وصف هيئة الفاتيكان على هيئة كبار العلماء، المرجعية الكبرى للتيار السلفي التقليدي، بل بلغ الأمر بوصف أبناء التيار ب( يهود القبلة)
اعتمادا على أثر منقول عن التابعي سعيد بن جبير، يصف فيه مرجئة عصره بهذا الوصف، وأصدر الشيخ الحدوشي كتابيه: (إخبار الأولياء بمصرع أهل التجهم والإرجاء) و(جمعية الرفق بالطواغيت في قفص المحاكمة)
ولم يسلم شيوخ التيار من نبز مخالفيهم أيضا، فقيل عنهم رؤوس التكفير، وخوارج العصر، وكلاب أهل النار، وأحفاد ذي الخويصرة، مما جعل المعارك بين الطرفين مستعرة، يطبعها التشنج والتوتر والحدة والوصف بالتبديع والمروق عن السنة، رغم اتفاقهما في المرجعية وغلبة ما يجمع بينهما على ما يفرق.
في ظل هذه الأجواء كان بروز الشيخين الفزازي والحدوشي بالخصوص، بمؤلفاتهما وأشرطتهما السمعية والمرئية، مناظرين مجادلين محاورين، وبشكل أخف الأستاذ عبد الكريم الشاذلي الذي كان مكتفيا بتأطير بعض الجلسات في البيوت والتي كانت مواضيعها لا تخرج عما سبق .
وبمعزل عن هؤلاء الثلاثة كان الميلودي زكريا بحيه سيدي مومن يكون مجموعته الخاصة، فبعد انفصاله عن حركة التوحيد والاصلاح ، اتخذ لنفسه منهجا وإن عد على الجهاديين، لكنه كان إلى التكفير أقرب، فرغم أن الرجل كان لا يقاطع المساجد ولا يمتنع عن أكل ذبائح المسلمين، إلا أنه كان يكفر بكل ما صدر عن الدول من عقود ووثائق، بل كتب رسالة في تكفير كل من أصدر وثيقة إدارية من بطاقة التعريف الوطنية إلى عقد الزواج، وكان هو وأصحابه يتزوجون من غير توثيق و لا عقد إداري، بل يرون ذلك من الكفر الذي يخرج به صاحبه من الإسلام.
وسواء صحت رواية الدولة بأنه كان المؤسس لجماعة (الصراط المستقيم) ، ولا أستطيع الجزم إن كان ومن معه خلف مقتل الكردودي بحي سيدي مومن يوم عيد أضحى ورميا بالحجارة، حيث اتهم بذلك واعتقل عام 2002 تبعا لهذا الاتهام، خاصة وأن القضاء قد برأه من هذه التهمة، إلا أن المؤكد أن الرجل كان له أتباع ليس بحيه فقط، بل بمجموعة من الأحياء الهامشية سواء بالبيضاء أو بسيدي الطيبي قرب القنيطرة أو غيرها، وكان يربيهم على مبادئ الكفر بالطاغوت وحتمية المواجهة، بل بلغ به الأمر إلى درجة تحديد يوم دعا فيه للخروج على النظام ، وإعلان الإمارة الإسلامية.
وقد كان من أهم ما يدعو له الرجل أتباعه مبدأ النهي عن المنكر، بل كان يحرضهم على التعرض لمن يصنفهم بأهل المعاصي، ويستبيح سلب أموالهم ومراكبهم بحجة حبسهم عن استعمالها فيما لا يرضي الله تعالى.
في الحلقات القادمة بإذن الله ، نتعرف على ما عرفه التيار من مزيد من التوهج بعد بداية الألفية الجديدة، وموقعي من كل هذه التجاذبات بعد عودتي من المملكة العربية السعودية.