قبل أربع سنوات بالضبط، دعي 13 مليون مغربي للإدلاء برأيهم في أول دستور في عهد الملك محمد السادس، بعد أن طالبت العديد من الهيآت السياسية بالإصلاح الدستوري، ورفعت مذكرات لأجل ذلك، لكن مطالبها بقيت معلقة إلى أن جاءت حركة 20 فبراير، التي خرجت إلى الشارع في سياق « ربيع عربي » أسقط بعض الأنظمة التي تأخرت في الرد أو تجاهلت مطالب مواطنيها، فأدت ضريبة التأخر في إنتاج رد الفعل المناسب على دعوات الإصلاح.
20 فبراير طالبت بملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، وفصل الثروة عن السلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة تحت عنوان عريض هو: « محاربة الفساد والاستبداد »، فجاء خطاب 9 مارس ليؤكد الملك محمد السادس فيه أن مملكته على موعد مع إصلاح دستوري يمثل جوابا مباشرا عن مطالب الشارع. بعد أربع سنوات، هل حقق دستور 2011 الانتقال الديمقراطي؟
20 فبراير
أمينة بوعياش، عضو اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور، تؤكد أن إعداد دستور 2011 شكل لحظة لصياغة التراكمات النضالية التي حققتها الحركة الحقوقية والسياسية، وكذلك لحظة تعبير عن التفاعل بين المؤسسات، بما فيها المؤسسة الملكية. فيما يؤكد عادل بنحمزة، عضو اللجنة التنفيذية والناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال، أن « الربيع العربي » كانت له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على ما تضمنته الوثيقة الدستورية، « لكن وبكل موضوعية يجب ألا نغفل أن مطلب الإصلاح الدستوري ظل دائما قائما، سواء بالنسبة إلى الأحزاب الوطنية أو إلى طيف واسع من المجتمع المدني وعدد من المثقفين والإعلاميين ».
أما عبد الله بوانو، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، ورئيس فريقه النيابي، فيجزم بأن دستور 2011 مهد للتوجه نحو الديمقراطية الحقيقية بالنظر إلى السياق الدولي والمحلي المتمثل في الحراك الذي جسدته حركة 20 فبراير، « فالمغرب حقق جزءا كبيرا من أهداف حراكه، والدستور أحد هذه الإنجازات ». وهو الكلام الذي يتقاطع مع جزء منه الناطق الرسمي باسم الاستقلال، الذي شدد على أن « دستور 2011 حلقة متقدمة في عملية البناء الديمقراطي »، موضحا أن الإشكال الجوهري في منظومة السلطة والديمقراطية سياسي محض، يرتبط بتوازن القوى بين إرادتين، « إرادة البناء الديمقراطي والخروج التدريجي من البنية المخزنية بمضمونها السلطوي، وإرادة « محافظة » لم تستوعب شروط التحول التاريخي الذي يكاد يكون حتمية بالنسبة إلى جل الأنظمة السياسية التي لها امتدادات تاريخية ».
وكان لبوعياش رأي آخر فيما يتعلق بـ20 فبراير، موضحة أنها لو تخلصت من صراعاتها لكانت قوة داعمة للجنة عبد اللطيف المنوني، جازمة أنها لم تكن تلك القوة الضاغطة للتوجه إلى مجتمع مغربي عصري، « والسبب هو مكوناتها والصراع السياسي بين مجموعات دينية وأخرى تقول عن نفسها إنها علمانية »، قبل أن تخلص الوضع من وجهة نظرها بقولها: « نحن المغاربة لا نستغل الفرص سياسيا من أجل تطوير مؤسساتنا وحركتنا المجتمعية ».
وفي المقابل، يرى الناطق الرسمي باسم الاستقلال، أن « ما أنجز كان مهما (..) المسألة في اعتقادي تتعلق بتوازن القوى، وهي إلى الآن مختلة وستستمر كذلك مع حكومة مستعدة أن تتخلى عن كل شيء ».
الدستور وروح الدستور
على الدوام اعتقد المهتمون أن الأهم من الإصلاح الدستوري في التجربة المغربية هو التأويل الذي يمكن أن يمنح للوثيقة الدستورية، مادامت كل الدساتير « محاولات لإعادة انتشار الصلاحيات دون أن تمس جوهر النظام السياسي المغربي ». بنحمزة يشرح وجهة نظر حزب الاستقلال بالتأكيد على أن رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، يتعامل مع دستور 2011 بعقلية دستور 1972، « فلا يمكن توقع سوى تنامي تأويل « محافظ » لنصوص الدستور. لهذا فمن يتحمل المسؤولية هو رئيس الحكومة بصفة مباشرة، لأنه وجماعته لم يكن ضمن أجندتهم شيء اسمه الإصلاح الدستوري حتى وهم في صف المعارضة ».
وتوقع القيادي الاستقلالي أن تدفع الحكومة قوانين شديدة حساسية في اتجاه البرلمان في نهاية الولاية، وبذلك ستصدر أمرها إلى الحكومة المقبلة.
بوانو يرد على بنحمزة بقوله: « المعارضة هي من تحن إلى ما قبل دستور 2011، وإلا كيف نفسر بعثها بشكاية للمؤسسة الملكية لكي تتدخل في نقاش سياسي؟ هؤلاء هم من يعودون بنا إلى الوراء، إلى ملكية تنفيذية وإلى تدخل المؤسسة الملكية في أمور ليست من صلاحياتها ».
القيادي في « البيجيدي » انتقد كذلك « من يتحدث عن روح الدستور وفي ذهنه خلق نزاع بين رئاسة الحكومة والمؤسسة الملكية، هؤلاء نقول لهم إنهم مخطئون وإننا لن نسقط في الفخ الذي يريدون إيقاعنا فيه، ومذكراتهم للجنة إعداد الدستور لاتزال شاهدة عليهم ».
في المقابل، تحاشت بوعياش تقييم تعاطي بنكيران والأغلبية الحكومية فيما يخص تأويل الدستور، وتورد بأنها لم تتوفر لديها كافة المؤشرات لتكوين قناعة حاسمة بخصوص تخلي رئاسة الحكومة عن صلاحياتها والتسبب في إعادة الإصلاح الدستوري إلى المربع الأول، « لا أستطيع أن أحكم هل تنازل بنكيران عن صلاحياته أم لا. هذه حكومة سياسية، يمكن أن نتفق معها أو نختلف.. لكن حتى أحكم لابد من أن أؤسس قناعتي على دراسات وتقييمات علمية ».
في المقابل تعبر عن قناعتها بأن الفاعلين السياسيين لم يستطيعوا إلى الآن تجاوز تفسيرات غير دستورية للدستور، خصوصا تلك المرتبطة بطبيعة فكرية إيديولوجية.
قوانين تنظيمية
لكن عضو لجنة مراجعة الدستور انتقدت وتيرة إنجاز القوانين التنظيمية التي وصفتها بـ »بطيئة جدا »، مضيفة: « لا أعرف سبب هذا البطء، وعلى المغاربة خلال الانتخابات المقبلة أن يسائلوا الأغلبية على عدم احترام مقتضيات الدستور بخصوص ترجمة الوثيقة الدستورية إلى قوانين تنظيمية.
بنحمزة بدوره يشرح بأن الدستور يلزم الحكومة بإخراج القوانين التنظيمية قبل نهاية ولايتها، لكن السؤال هو: « بأي مضمون تخرج وستخرج هذه القوانين، فالاعتماد الآلي على الأغلبية في مثل هذه القوانين هو إساءة لطبيعتها الخاصة حيث تعتبر مكملة للدستور، وبالتالي هي بحاجة إلى حد أدنى من التوافق الذي لا يمكن تصور قيامه بدون حوار ».
وبوانو يشدد على أن حصيلة الحكومة مشرفة فيما يخص تنزيل الدستور، « فلا ينبغي أن تنسوا أن الاستقلال أضاع علينا سنة 2013 كاملة »، كما أن المعارضة داخل البرلمان تعرقل العمل التشريعي والعمل الرقابي، وتريد أن تستحوذ على كل شيء، وهذا مخالف لروح الدستور ومنطوقه.
غير أن المتحدثين الثلاثة جميعهم أجمعوا على أنه كان يمكن إنجاز أكثر مما أنجر لحظة مراجعة الدستور أو خلال تنزيله، وأنه بعد حين سيفتح ورش الإصلاح الدستوري ليواكب التطورات في المشهد السياسي والمجتمع المغربي.