رحلتي إلى أفغانستان
استدعى الدكتور عبد الكريم الخطيب عام 1989م والدي ليرسله في مهمة إغاثية إلى أفغانستان، حمله بكمية من الأدوية وأمده بالعناوين اللازمة له في رحلته، انتقل إلى جدة ومنها إلى باكستان، حل ببيشاور وزار مختلف المنظمات الإغاثية، وتعرف على واقع اللاجئين وظروفهم المأساوية، بل تعرف على واقع الجهاد الأفغاني، وقابل عددا من قادته، ولقي شيخ المجاهدين العرب يومئذ، الدكتور عبد الله عزام، أشهرا فقط قبل تفجير منبره وهو يخطب الجمعة، في عملية اغتيال لا زالت أسرارها مغلقة إلي اليوم.
لم تدم رحلة والدي طويلا ، استغرقت شهرين فقط، لكنها كافية له ليطلع على كل تفاصيل الوضع، ولتترك الزيارة في نفسه أثرا بالغا، وإحساسا بضرورة نصرته ذلك الشعب ووضع خبرته رهن إشارته.
عاد والدي من رحلته، وقد عقد العزم على خوض المغامرة، طلب تقاعده النسبي، ورتب كل أوراقه الإدارية، وأحواله الأسرية، وجمع عدته الطبية، وحزم حقائبه، وتوجه لتحقيق ما قد عزم عليه، دون أن يستطيع أحد ثنيه أو إيقافه.
كانت آخر سنة لي بفاس، عدت بعدها لأجد والدتي وحدها بالبيت، ومعها رسالة من والدي بالالتحاق به تلك السنة وزيارتي له في تلك البلاد البعيدة.
كان عمري وقتئذ لا يتجاوز ست عشرة سنة، طفل مراهق انتهى من توه من متابعة مونديال إيطاليا 90 مستمتعا برقصات روجي ميلا وإبداعات مارادونا. هيأت جواز سفري واتجهت للسفارة الباكستانية بالرباط ، كان نيل التأشيرة أسهل مما تصورت، يكفي أن تأخذ معك هدية للمسؤول عن قسم التأشيرات لتنالها في أسرع وقت ممكن، توجهت بالطائرة إلى جدة بالسعودية ، ومنها في رحلة طويلة أخرى إلى إسلام آباد عاصمة الباكستان.
لم أكن فيما يظهر الوحيد على الطائرة المتجه إلى أفغانستان، قد أكون الأصغر بينهم، لكن لباس الكثيرين ممن كانوا معي من أبناء الخليج خاصة يوحي بوجهتهم، فبسبب التسهيلات التي كانت تمنحها السعودية خاصة لمن أراد الالتحاق بالجهاد الأفغاني، احتلت السعودية دوما الرتبة الأولى في قائمة الملتحقين.
مرت الإجراءات بكل سلاسة، فقد كان النظام الباكستاني أيضا حليفا للولايات المتحدة، وكان يقدم كل التسهيلات اللازمة لمن أراد الالتحاق بالأفغان ودعمهم عسكريا أو إغاثيا، لم أكن طبعا وقتها على وعي بكل هذا، لهذا كنت أستغرب كيف يمر هذا الالتحاق ببؤرة متوترة بكل هذه السلاسة والمرونة؟.
وجدت والدي في الاستقبال، أخذني لركوب حافلة صغيرة، ستأخذنا من العاصمة اسلام آباد إلى بيشاور على تخوم أفغانستان، وضعت رأسي على النافذة، وفتحت عقلي لاستيعاب تجربة جديدة في بلاد غريبة علي وحضارة مختلفة وطقوس وعادات ليست عندي بالمألوفة.
عشت تجربة فريدة في حياتي، وصلت بيشاور ونزلت ب (بيت الأنصار) ، البيت التي ستشكل قاعدة بياناته سنوات بعد ذلك ميلاد تنظيم القاعدة، كان منزلا سعوديا بامتياز، يظهر ذلك من جنسيات المشرفين، والكتابات الحائطية، وغلبة الجنسية السعودية على النازلين بالبيت.
من أكثر ما أثارني بين تلك الكتابات، نداء يوجهه أسامة بن لادن للشباب السعودي، يدعوهم لإنقاذ بلاد الحرمين من غزو صدام المنتظر، فقد تزامنت رحلتي هذه مع اجتياح صدام لكويت غشت 1990، كان أسامة وقتها لا زال يحتفظ بعلاقات طيبة مع نظامه السعودي، و أظنها كانت الأيام الأخيرة بينهما، كان أسامة بن لادن قد عرض على النظام السعودي استقدام الشباب العربي المقاتل بأفغانستان للذود عن بلاد الحرمين، لكن رفض النظام لهذا العرض واستدعاءه للقوات الأجنبية سيشكل علامة فارقة في تاريخ الرجل ومعه التيار السلفي الجهادي بنسخته الجديدة.
تجولت على أغلب البيوت والمضافات في بيشاور، فقد سعت الجنسيات الغالبة لتأسيس مضافات لها والانفصال عن بيت الأنصار السعودي، زرت بيت (المهاجرين) الجزائري، و(بيت الشهداء) الليبي، وتعرفت بهذه المضافات على مختلف الاتجاهات والتيارات، كانت أفغانستان قبلة موحدة لكل التيارات الإسلامية باختلاف توجهاتها، حتى التيار المدخلي الذي عرف عنه مواجهة كل المشاريع الجهادية، كان يرسل شبابه لمؤازرة الشيخ جميل الرحمن أحد قادة منطقة كونر.
وكانت هذه المضافات بمثابة ملتقى واسع لكل هذه التيارات، بل كانت تشكل محطة للمناقشة والتدافع بينها، بلغ عقد مناظرات تحضرها جماهير غفيرة، وكنت أحاول استيعاب كل ما حولي وفهم كل ما يجري بتلك البلدان من خلال ما يدور حولي من مناقشات.
في الحلقة القادمة: كيف استوعب مراهق وجوده بدولة تدق فيها طبول الحرب؟