ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة11)

04/07/2015 - 23:31
ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة11)

 

المغامرة آلى افغانستان

تجولت بين مختلف المضافات العربية ببيشاور، وأنا المراهق ذو السادسة عشرة عاما من عمره، أحاول استيعاب كل ما يجري حولي، كنت قليل التحدث أستمع كثيرا دون تعليق، التقيت بعدد المغاربة الذين حجوا إلى أفغانستان سواء من المغرب أو أمريكا أو أوربا، كثير منهم سأجد أسمائهم سنوات بعد ذلك مدونة ضمن شريط فيديو جعلوا له عنوانا: الشهداء المغاربة بأفغانستان.

لم يكن والدي بحكم المهام التي كانت موكولة له يستطيع مرافقتي طول الرحلة، ذلك ما ساعدني على أن أكون حرا في قراءة المشاهد التي تعبر عيني، تعرفت على بيشاور وطبيعتها الفوضوية المستعصية على الفهم، تناولت الطعام الأسيوي الحاررغم ما أصبت به من قرف جراء ظاهرة قلة النظافة المستشرية في تلك البلاد، قابلت جنسيات عديدة عربية وغير عربية لبت نداء الاستنصار، زرت مكتب خدمات المجاهدين الذي أسسه الدكتور عبد الله عزام لخدمة العرب القادمين من دول أخرى.
اقتنيت منها أعدادا من مجلة ( الجهاد) التي كان يصدرها الشيخ عبد الله عزام، والتي كانت تصلنا عبر الاشتراك ، وننتظر وصولها كل شهر، فهي المجلة التي لعبت دورا محوريا في تعبئة الشباب ودفعهم للتوجه نحو أفغانستان، وخاصة ذلك الركن الذي كان يخصصه الشيخ للحديث عن الشهداء العرب، أذكر يوم حضرت لبعض الشباب وقد اجتمعوا على نسخة من المجلة، يطالعون ترجمة الشيخ لأحد أول الشهداء المغاربة بأفغانستان، أبو يوسف المغربي، ابن حركة الإصلاح والتجديد بمدينة فاس، أذكر جيدا كيف كانت دموعهم تغشى خدودهم وهم يصغون بتأثر لشهادة صديق عمره محمد المشتاق أحد أوائل من التحق من المغاربة بتلك الديار، أغلب من حضر تلك الجلسة لم يمضوا إلا أياما قلائل حتى جمعوا حقائبهم، وولوا الوجهة نحو حدود باكستان.

تأملت في جداريات بيشاور، كانت كلها عن الخلافة الإسلامية والجهاد وتحرير القدس، وكانت صور الشيخ عبد الله عزام الذي لم يمر وقت كثير على مقتله بارزة في كل أنحاء المدينة.
استوقفتني ظاهرة المغاربة القادمين من أوربا وأمريكا، غالبهم ممن ترك الدراسة بتلك البلاد وتوجه لتلبية داعي الجهاد، كثير منهم كان يوهم والديه بأنه لا زال يتابع دراسته بينما هو يحمل الكلاشنكوف في أدغال جلال آباد، حين سألتهم عن ذلك علمت أن أنهم استفتوا المشايخ وبينهم عبد الله عزام، فأفتوهم بأن عينية الجهاد تعني عدم الحاجة إلى إذن والد أو والدة.
كانت مدة إقامتي قصيرة بحكم قرب انتهاء الإجازة الصيفية وضرورة عودتي لموافاة المقاعد الدراسية، ومع ذلك حاولت اغتنام كل ما يمكن من الوقت لزيارة أكثر ما يمكن من المواقع التي لا بد من زيارتها ، زرت المضافات المتواجدة على الحدود خصوصا مضافة ميرانشاه التي كانت على أبواب أفغانستان، زرت معسكر صدى الشهير، والذي كان يقودة أبو برهان السوري، الذي كان مشهورا عند العرب هناك بصرامته وقوته وشجاعته، زرت لأيام معسكر خلدن، والذي عرف قيادة اسمين كانا بارزين في الساحة الأفغانية، أبو بنان الجزائري وابن الشيخ الليبي الذي يقال أنه مات في سجون ليبيا تحت التعذيب.
بعد المعسكرات كان لا بد لي قبل الرجوع من دخول أفغانستان والاطلاع على أحوال الجبهات، اخترت أقرب الجبهات نظرا لضيق الوقت، وهي جبهة خوست، المدينة التي كانت على وشك التحرير، وكان يحيط بها المجاهدون أفغانا وعربا من كل ناحية، التحقت بجبهة أبي الحارث الأردني، وقضيت معهم أياما نبيت في الكهوف، ونأكل القليل من الطعام، ونناوب ليلا على الحراسة، ونقضي يومنا في رباط.
عدت بعدها إلى بيشاور، بعد حادثة شهدت فيها الموت ، كنا مجموعة من العائدين، مجردين من أي سلاح، كنا معرضين للهجوم من طرف القوات الشيوعية في أي لحظة، وذلك ما كان فعلا، رصدت تحركنا طائرة حربية، حامت فوقنا مرارا، تأكدت من أننا لا نمتلك أي سلاح مقاوم ، هبطت إلى مستوى بالغ الانخفاض، وعيوننا جاحضة نحوها، فتحت أبوابها التحتية، ثم أطلقت قنابلها على رؤوسنا، تشظت القنابل بين رؤوسنا وقد اضطجعنا على الأرض، أفرغ ما معه ورحل لعله معتقدا أنه قد اصطادنا جملة، لكننا لم نصدق ما وقع وقد رفعنا رؤوسنا وبعضنا ينظر إلى بعض ذهولا وتعجبا من نجاتنا جميعا.

انتهت رحلتي إلى أفغانستان بكل ما تركت في نفسي من آثار نفسية ومعرفية ، وما تركته من ذكريات ساهمت في تكوين وبناء فكر وشخصية المستقبل.
في الحلقة القادمة: زياراتي للولايات المتحدة الأمريكية ثم التحاقي بالجامعة .

شارك المقال