بنكيران ظاهرة سياسية، وآلة تواصلية، وقوة خطابية، وزعامة فرضت نفسها اليوم.. هذه حقائق لا يختلف حولها خصوم بنكيران كما أصدقاؤه.. هو رجل مثير للجدل طبع مرحلة سياسية بأكملها، بما له وما عليه. هو رئيس أول حكومة بعد الدستور الجديد والربيع الجديد والوعود الجديدة بالإصلاح والتغيير… عندما يفرح يطلق نكتا وضحكات لا تخلو من رسائل سياسية. عندما يغضب يخرج أسلحته الثقيلة في وجه خصومه، ويبدأ في إطلاق النار، يتحدث بأكثر من لغة إلا لغة الخشب.. سيرة بنكيران صارت اليوم على كل لسان، فهناك من يحبه وهناك من يكرهه، وهناك من يقف في الوسط بين الحب والكره، يتفق معه ويختلف حسب الظروف والأحوال، لكن الجميع يتابع خطبه، قراراته، معاركه، خرجاته، وحتى صمته صار يؤول اليوم في الساحة السياسية، وتعطى له مبررات ودلالات… للاقتراب أكثر من بنكيران الإنسان، نخصص هذه السلسلة الرمضانية للحديث مع الرجل الثاني في الدولة على لسانه، وبالرجوع إلى ذاكرته هو دون وساطة أو توسط.. بعيدا عن السياسة، قريبا من بنكيران المواطن، والغرض أن نفهم زعيم العدالة والتنمية أكثر، أن نعيد قراءة سيرته، ومراحل تشكل وعيه، وتضاريس الواقع الذي أحاط به. إنها سلسلة للاقتراب أكثر من هذا الذي صار سيرة على كل لسان.. لنتابع…
كان الشاب اليافع عبد الإله بنكيران وهو يمضي في طريقه نحو الالتحاق بالشبيبة الإسلامية، قبل أن يقود عمليات المراجعة الكبرى في عقد الثمانينات، ويصبح أحد قادة تجربة فريدة بين الحركات الإسلامية العربية، يختلط برفاقه وأبناء حيّه من الشباب اليساريين، لكنّه ظلّ محتفظا بميوله «المحافظة»، والرافضة لما كان يعتبره تجرؤا على الدين وعلى الله، ومواظبا من خلال ذلك على حضور الدروس الدينية في المساجد، كما كان والده المختار بنكيران حريصا على ذلك قيد حياته.
وأثناء استرجاعه ما تختزنه ذاكرته عن تلك الفترة، يتوقّف بنكيران عن أحد الذين تأثر بدروسهم الدينية في مسجد الحي، وهو الشيخ محمد الورزازي. «كان واحدا من العلماء الذين يتميّزون باللباس الجميل ولهم ألق خاص، ويتكلّم بعمق كبير، وكنت أحرص على حضور دروسه بمحبة وشغف، خاصة أنه من العلماء الذين يستعملون النكتة والدعابة والحكي في دروسهم». ويتذكّر بنكيران أن مصادفة غريبة ستجمعه بالشيخ الورزازي داخل أسوار السجن الذي دخله بسبب مشاركته في إحدى المظاهرات في بداية الثمانينات، حيث جاء الورزازي لزيارة حفيد له اعتقل في المظاهرة نفسها، ليجد عبد الإله بنكيران خلف القضبان. «حفيده لم يكن له لا في العير ولا في النفير، بل كان مارا قرب المظاهرة فقط، وعندما جاء لزيارته في السجن، كنت بدوري على موعد مع زيارة عائلية، ففوجئت بوجوده في الفضاء المخصص للزيارات، وقلت له: ‘‘سي الورزازي، أنا أحد المواظبين على حضور دروسك’’».
شخص آخر بصم ذاكرة عبد الإله بنكيران في تلك الفترة، يتمثل في الرجل الذي عوّض الشيخ الورزازي في إلقاء الدروس الدينية. «كان اسمه لطفي حسب ما أذكر، وجاء بعد الورزازي، وكنت أحضر دروسه باستمرار، وكان اتحاديا، وكان قادما من مدينة بعيدة لا أذكرها بعدما وصلت يد المخابرات إلى خليته، وكان بدوره على بال وأنا كنت مقربا منه». ومن بين ما يتذكّره بنكيران عن هذا الفقيه الاتحادي الهارب، أنه «في أحد الأيام، وبما أنه كان يفتقر إلى أي مورد مالي، وكان يعيش على المساعدات التي يتلقاها من رواد المسجد، فيما يخفي خلفيته السياسية، كنت أوفر 20 درهما أخبئها عند الوالدة، واستقر في نفسي أن أساعده بها، فذهبت عند الوالدة وطلبت منها العشرين درهما فرفضت لأنها شعرت بأنني أنوي فعل شيء ما بها، وأنا كنت إيلا جاتني شي فكرة يا لطيف، لا أتراجع، فحصلت على العشرين درهما ومنحتها للسي لطفي… عندما ذهبت عنده وجدته في بيت بسيط قبالة مستشفى مولاي يوسف، وما أثار انتباهي هو لوحة يعلّقها وقد كُتب عليها: «الصبر مفتاح الفرج»، وبقيت تلك اللوحة مؤثرة في بشكل خاص». مرحلة في حياة بنكيران ستتسم ببعض الانقطاع عن الدروس الدينية، «وعندما التقيت الإخوان عدت إلى المسجد بعد فترة انقطعت فيها، فوجدته مازال في المسجد يلقي الدروس، فأصبحت أجادله قليلا فأغضبه، فقال لي يوما: ‘‘شوف، أنا راه منين نبدأ نتكلم بحال شي واحد راكب على العود وكايتبورد، عليك ألا توقفه’’، وبقينا على صداقة».