قريبا من الجهاديين…. بعيدا عنهم
عدت من المدينة المنورة بعد إقصائي من مباريات ولوج الدراسات العليا، بسبب موقفي من التيار المدخلي والإرهاب الذي كان يمارسه في الجامعة، وعدت أحمل معي كل التناقضات التي حملتها عن أبناء هذا المنهج، وكل ما تعرضت له من أذى وألسنة حداد أشحة على الخير، بل كل ما تعرضت له من غدر ممن سبق أن بادلتهم المودة والصحبة التي سرعان ما تنكروا لها عند أول خلاف فكري ومنهجي.
عدت غير ذلك الشخص الذي كنته قبل الغربة بتلك الديار، محملا بزاد مهم من المعرفة الشرعية بعد سنوات من التحصيل والاجتهاد ، كنت فيها متفوقا على صعيد الجامعة، ودائم التواجد بحلقات المسجد النبوي وغيره، وملازما للشيخ المختار الشنقيطي، فضلا على برامج المطالعة التي مكنتني من قراءة كتب ضخمة من مطولات الفقه والحديث، ومن غالب ما أنتجته المدرسة السلفية المعاصرة ، مما أهلني لممارسة دور التأطير والتعليم.
كانت البداية بأحد المساجد الصغيرة بحي العنق بالدار البيضاء ، كانت دروسي فقهية محضة، بين فقه العبادات والذي كان بنفس سلفي قائم على اتباع الدليل دون التقيد بمذهب معين، مع التشديد على عدم الخروج عما عليه جماهير العلماء، مستنكرا على السلفيين شذوذهم في بعض الفقهيات .
ولما كان ما وقع بالمدينة المنورة قد بلغت أصداؤه المغرب، فقد لقيت من أتباع تيار المغراوي الذي كان وقتها يشكل امتدادا للمداخلة صدودا ونفورا، بل وجدت التحذير مني ومن معتقداتي قد سبقني ، وتنكر لي كثير ممن كنت قد ربطت بهم خلال تلك الفترة علاقات طيبة واستقبلتهم ببيتي الذي كان قريبا من المسجد النبوي.
هذا النفور من هؤلاء لم يترك لي جليسا في تلك الدروس إلا أبناء التيار السلفي الجهادي الذي أقبل على دروسي بذلك المسجد، بحكم طبيعتها السلفية، وباعتباري ابنا لأحد رموز المشاركة العربية في الجهاد الأفغاني الأول، وهنا بدأ التقاطع بيني وبين التيار الجهادي ، رغم ما كنت أخالفهم فيه مما كنت لا أظهره طبعا خوفا من تفرقهم عني، وأنا الشاب الصغير الحديث عهد بمجالات الدعوة والتصدر، فكنت أحتاج إلى وسط أتمكن فيه من تحريك بضاعتي العلمية التي اكتسبتها في الفترة السابقة، كما كنت محتاجا لمحتضن يؤمن بقدراتي، ورفقة تحيط بي، فلذلك كنت لا أبدي في أول أمري خلافي لهم، وإن لم يستمر ذلك طويلا.
كنت لا أكفر الحكام عينا كما هو أحد أصول الجهاديين، فلذلك كنت أتحاشى خوض هذا الموضوع ، نظرا لحساسيته عند القوم، ومركزيته في الرؤية والتصور، بينما استطعت اختراق بعض المواضيع الأقل حساسية، وكنت أبدي خلافي لهم، فكنت لا أقبل أبدا ذلك الهجوم الكاسح على كبار علماء التيار السلفي التقليدي، فقد كانوا تبعا للشيخ الفزازي وغيره يصفون بن باز وبن عثيمين بسدنة هيئة الفاتيكان الاسلامية، وكان الألباني ضالا مبتدعا لدرجة وصفه بالتجهم والإرجاء، وكان الشيخ القرضاوي قردا لاويا بل كافرا يحل مما حرم الله،فكنت معارضا شرسا لهذا التوجه، حريصا على ترسيخ فكرة الاحترام للعلماء مهما كان الخلاف ، داعيا الى اعتبار خلافهم اجتهادا واختلافا في الرؤى والأنظار، بل أحاول مدغدغا عواطفهم تذكيرهم بمواقف هؤلاء المشايخ نصرة لبعض التيارات الجهادية كما هو حال الشيخ بن عثيمين مع مجاهدي الشيشان، وهو الأمر الذي كانوا يعارضونه بدعوى أن الخلاف مع هؤلاء يمس الأصول العقدية والثوابت الشرعية التي لا يمكن الاختلاف حولها.
مما كنت لا أوافق عليه هؤلاء الشباب انشغالهم عن العلم بقضايا لم أكن أعتبرها أولوية ولا تستحق كل ذلك الجهد المبذول فيها، مثل تلك الصراعات المحتدة مع الطوائف الأخرى، ولهذا حتى في دروسي التي كنت ألقيها بينهم، لم أمن يوما منشغلا بمثل هذه الأبواب، بل كنت معتنيا بتدريس الأصول العقدية كالواسطية وغيرها، وتلقين فقه الدليل خاصة ما تعلق بالمعاملات المالية التي كانت اختصاصي أيام الكلية.
كان كثير من الجهاديين في ذلك الوقت يجيزون ما يسمونه ( الفيء) ، وهو غصب أموال الناس وأكلها بدعوى أنهم يستعينون بها على المعاصي والمنكر، وذلك ما كنت أعارضه بشدة معتبرا ذلك من السحت وأكل مال الناس بالباطل.
مما كان لا يعجب الجهاديين فيما أطرحه أيضا ما كنت أشنه من حرب على تصدي الشباب للإفتاء، والفوضى التي تطبع اختياراتهم الفقهية مع عدم امتلاكهم للآليات التي تؤهلهم لذلك، وكنت أشدد في مسألة التفريق بين المجتهد والمتبع والمقلد مما يعتبره كثيرا منهم قمعا لهم وتحقيرا من شأنهم بسبب ضعف ثقافتهم الشرعية.
زرعت مناقشتي لهذه المواضيع بعض الحذر مني في صفوف الجهاديين، فكان كثير منهم يجالسني على حذر ، وكان بعضهم يقول هذا مرجىء يمارس التقية، وكان بعضهم يحسن الظن فيقول : لا زالت به بعض مخلفات الإرجاء، لكن مع ذلك كله حافظوا على مسافة قريبة مني للخصاص الذي كان عندهم فيمن يسمون (طلبة العلم)، وذلك ما كان يتهمهم خصومهم به، فوجود متخرج من الجامعة الإسلامية في صفوفهم يرون فيه نوعا من الانتصار والتفوق.
في الحلقة القادمة: كتابات الجهاديين تغزو الأسواق المغربية.