ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة15)

09/07/2015 - 01:30
ابو حفص يكتب :مراجعات لا تراجعات (الحلقة15)

كيف التهمت أدبيات الجهاديين ومراجعهم؟

كانت نهاية التسعينات هي بداية التقاطع بيني وبين التيار الجهادي، كانت دروسي لهم في الفقهيات والعقديات بعيدا عن مواطن الخلاف التي كانت تعج بها الساحة يومئذ، مما جعلني غير مقبول عند كثير منهم، ممن لا تستهويهم إلا الخطب الحماسية والعبارات المهيجة المدغدغة للأحاسيس والعواطف ، والمواضيع الساخنة من قبيل الحاكمية والكفر بالطاغوت وموالاة المشركين، وذلك ما كنت أتجنب الخوض فيه ولا أحب ولوج مسالكه.
لكن احتكاكي بالشباب الجهادي مكنني من الاطلاع على نوع جديد من الأدبيات التي لم يكن لي عليها اطلاع سابق، فبفعل الانغلاق الذي كان مفروضا علينا بالجامعة، وحيث لا أنترنت ولا وسائل تواصل في ذلك الوقت،وحيث كانت الصورة النمطية الراسخة في ذهني عن التيار الجهادي، هو افتقاده للتأصيل الشرعي وطلبة العلم لقلة اعتنائهم بذلك، مقابل التيار التقليدي المصاب بتخمة في التأصيل والتأليف والتقعيد، فقد فوجئت بكم هائل من الأدبيات الجهادية التي لم يكن لي بها سابق عهد ولا اطلاع ، والتي تهاجم التيار المقابل بنفس آلياته ومنهجه في التأصيل والاستدلال.
(الإنتصار لأهل التوحيد والرد على من جادل عن الطواغيت.. ملاحظات وردود على شريط الكفر كفران للشيخ محمد ناصر الدين الألباني) لعبد المنعم مصطفى حليمة المشهور بأبي بصير الطرسوسي، كان أول ما استفتحت به القراءة من هذه المجموعة ، وعلى قدر ما أصبت بالصدمة من الطعن في عقيدة الشيخ الألباني واتهامه بالتجهم والإرجاء ، وأنا من كنت يرى أن مسائل العقيدة لا مجال فيها للخلاف، وأنه لا يتصور اتهام رمز من رموز السلفية بل جبل من جبالها بما يطعن في عقيدته، خاصة في باب حساس جدا عند السلفيين وهو باب الكفر والإيمان، على قدر ما وجدت في حديثه كثيرا من المنطقية والبراهين الصحيحة، فعدت إلى ما كتبه الشيخ وما نشر في سلسلاته المسموعة، فوجدت تصوره فعلا لموضوع الإيمان يخالف كثيرا مع ما أخذناه في الجامعة الإسلامية، وما عرفناه من أن جنس العمل داخل في مسمى الإيمان، وكفر من تركه جملة، بل كانت هذه هي الفكرة الرئيسية في كتاب سفر الحوالي ( ظاهرة الإرجاء)، وهو ما عليه كل مشايخ السعودية، وهو ما تأكد بعد ذلك من خلال فتاوى اللجنة الدائمة على ما ألفه تلاميذ الشيخ الألباني في الباب، مراد شكري وكتابه إحكام التقرير في أحكام التكفير، خالد العنبري وكتابه (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير)، علي حسن الحلبي وكتابيه( التحذير من فتنة التكفير) و (صيحة نذير) .
كان اكتشافي لهذا التناقض داخل الجسم الذي كنت أراه موحدا، دافعا لي لاكتشاف كل أدبيات هذا التيار الجديد الذي كنت حديثا في تعرفي عليه، بدءا بأبي بصير نفسه ومجموعة كتبه كحكم تارك الصلاة، والعذر بالجهل، وقواعد التكفير، وهذه هي الديمقراطية، وغيرها من مؤلفاته وأبحاثه، إلى أبي محمد المقدسي ورسائله المشهورة : (ملة إبراهيم) والذي كان بمثابة الدستور عند الجهاديين،( إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر)، (الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية)، (الديمقراطية دين) ،( هذه عقيدتنا )، وغيرها من كتب الرجل المؤلفة بأسلوب واضح وفكرة ظاهرة جلية دافع عنها الرجل وسجن من أجلها مرات عديدة، إلى أبي عمر محمود أبي عمر المعروف بأبي قتادة، والذي كان أهم منظر للتيار وأعمقهم تأصيلا وثقافة وأجرئهم على فتاوى الدم والقتل: (الجهاد والاجتهاد تأملات في المنهج)، (معالم الطائفة المنصورة)، (حكم الخطباء والمشايخ الذين دخلوا في نصرة الطاغوت)، وفيه فتوى أئمة المالكية في من ناصر العبيديين ، وعليه كان معتمد كثير من الجهاديين في تكفير كثير من الخطباء ،( نظرة جديدة في الجرح والتعديل)، وغيرها من كتب الرجل التي كانت تصل المغرب عبر الجالية الجهادية المقيمة بلندن.
رغم اطلاعي السابق على أدبيات الجهاديين بالجزائر ومصر إلا أن هذا كان جيلا جديدا من الجهاديين ، ونوعا آخر من التأصيل لكفر الطواغيت ووجوب الخروج عليهم، المنطلق من أصول عقدية من داخل البيت السلفي، بالتركيز على مفهوم الكفر والإيمان، ولذلك لاقت سلسلة أبي قتادة السمعية التي سماها (دورة الإيمان) انتشارا واسعا للربط الذي اعتمده فيها بين مسائل الأسماء والأحكام وواقع بلاد المسلمين.
لم أكتف بما قرأه هؤلاء الثلاثة ، وإن كان ما كتبوه كاف لفهم كل أصول المنهج وتصوراته، فقرأت لسيد إمام كتابه الشهير، والذي كان مرجعا للجهاديين كما سبقت الإشارة : الجامع في طلب العلم الشريف، ذلك الكتاب الضخم الذي أصل بشكل مستفيض للتكفيريين منهج علميا في التكفير، وكنت لما أنهيت قراءتي لكثير من أجزائه قلت : هذا كتاب يجب أن يحرق، الشيئ الذي لم يستسغه كثير من الجهاديين، لكنهم مع تعظيمهم للكتاب لم يكن الرجل عندهم في قيمة أبي قتادة مثلا أو المقدسي، الخطوط الحمراء التي لا يجوز مسها ولا انتقادها.

في الحلقة القادمة: العودة إلى فاس مرة أخرى

شارك المقال